لم تكن المرة الأولى التي يزور فيها الشاب حسن الحسين، برفقة والدته، شقيقه حسين الموقوف في فصيلة الأوزاعي. أمس، وصل حسن ووالدته لزيارته في مركز الفصيلة. أُخرج حسين من النظارة وجلس معهما في غرفة مجاورة، قبل أن تقع مشادة كلامية تطورت إلى قيام حسن بلكم شقيقه الموقوف. تدخّل آمر الفصيلة النقيب جلال شريف وعناصر لفضّ الخلاف، على أن يحرر محضر ضبط بحق حسن، بجرم الاعتداء على موقوف. غير أنّ الأخير الذي ثارت ثائرته تمكن من سحب مسدس أحد الأمنيين وأطلق النار على النقيب شريف وعلى العنصرين زياد العطّار وعلي أمهز، قبل أن يُطلق النار على نفسه.



في الأثناء، لاذ الموقوف حسين بالفرار من نظارة الفصيلة، مع 25 موقوفاً آخرين، فيما رفض سبعة موقوفين الفرار، رغم أنّ باب النظارة كان مفتوحاً، والتحقيقات جارية لمعرفة إن كان حسين الحسين قد فتح باب النظارة للموقوفين قبل فراره.
مصادر أمنية أكدت إعادة إلقاء القبض على خمسة من الفارّين في محيط الفصيلة، فيما لا يزال البحث جارياً عن الباقين. وفيما تردد أنّ والد الضابط الشهيد، المساعد الأول لمدير المخابرات العميد علي شريف، نُقل إلى المستشفى لإصابته بأزمة قلبية بعد تلقّيه خبر استشهاد نجله، نفت مديرية المخابرات الخبر. وقد زار مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس مسرح الجريمة لمعاينته، وطلب الاستماع إلى والدة مطلق النار.
هذه الجريمة أعادت إلى الواجهة ملف اكتظاظ النظارات بالموقوفين الذي يُكدّسون كما يكدّس الدجاج، حتى إنّ السجّانين لم يعودوا قادرين على تلبية احتياجاتهم. نظارة فصيلة الأوزاعي يتكدّس فيها ٣٢ موقوفاً بحراسة عدد قليل من العناصر، علماً بأنّ الموقوف حسين الحسين كان موضوعاً في فصيلة الأوزاعي على سبيل الأمانة، على اعتبار أنّه موقوف لمصلحة فصيلة بئر حسن التي لم تعد تتّسع لمزيد من الموقوفين. هذه النظارة نفسها التي توفّي فيها الموقوفان أحمد الخطيب وكمال قهوجي في حزيران الفائت بسبب الإهمال والحالة المتردية التي تعانيها مباني قوى الأمن والسجون والنظارات التي تكتظ بالموقوفين. وبدلاً من أن يكون التوقيف مؤقتاً، تمتد هذه المعاناة لأسابيع وأشهر أحياناً، فتستحيل النظارة سجناً دائماً وأحياناً مقابر للموقوفين.
الموقوف الفارّ كان في فصيلة الأوزاعي «على سبيل الأمانة»، لأن نظارة الفصيلة الموقوف فيها لا تتّسع لموقوفين جدد


في سجون لبنان ونظاراته نحو تسعة آلاف موقوف مجرّدين من أبسط الحقوق الإنسانية بعلم القضاء وإشرافه، فيما يقف الضباط والعناصر عاجزين عن إيجاد أي حل. ففي بعض النظارات، يُحشَر عشرون موقوفاً في غرفة تتّسع أصلاً لأربعة موقوفين فقط. ومعظم هذه النظارات يفتقر إلى الحد الأدنى من مقومات احترام الحق الإنساني. أما أسباب هذا الاكتظاظ، إضافة إلى نقص السجون، فيبدأ من النقص في عديد عناصر السَّوق والآليات لدى الفصائل الإقليمية، والذي ينجم عنه تعذّر سوق الموقوفين لحضور جلسات المحاكمات، ما يعني إرجاء جلسات المحاكمة، وتأخير إطلاق الموقوفين لأشهر. فضلاً عن استسهال القضاة اتّخاذ قرار التوقيف في ملفات بسيطة مع ارتفاع معدّل الجريمة أيضاً واستمرار بعض القضاة بتوقيف مدمني المخدرات واعتبارهم مجرمين.
تجدر الإشارة إلى أنّ الأزمة ممتدة منذ أكثر من ست سنوات، ولم تنفع كل البرقيات التي حرّرها ضباط قوى الأمن لقياداتهم، أو تلك التي أرسلت إلى القضاة، في تخفيف المشكلة المتعاظمة يوماً بعد يوم. حتى إنّ تقرير اللجنة التي شكّلتها المديرية العامة لقوى الأمن لدراسة أزمة الاكتظاظ والتي خلُصت إلى أنّ الحل يكمن في استحداث سجون جديدة، دُفن في أدراج وزارة الداخلية.