لم يكد قرار مجلس تأديب القضاة بحق مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي بيتر جرمانوس يصدر حتى سارع الأخير إلى الإعلان عبر الوكالة الوطنية بأنّه سيتقدّم بطلب إنهاء خدماته لأسباب «محض عائلية». قرار جرمانوس لم يكن مفاجئاً. ففيما كان يُخبر القضاة بأنّه بصدد تقديم استقالته للانتقال إلى فرنسا، كان يهمس قضاة زملاء له بأخبارٍ عن تسوية جرى طبخها تقضي بأن يتقدّم جرمانوس باستقالته، على أن يصدر قرار مخفّف بحقّه حفظاً لماء وجهه ودرءاً لوقع خبر الإطاحة بالقاضي الذي يشغل منصباً رفيعاً هو مفوّض الحكومة لدى المحكمة العسكرية. فهل هذا ما حصل؟

مصادر قضائية كشفت لـ«الأخبار» أنّ قرار المجلس التأديبي قضى بتأخير ترقية جرمانوس ستة أشهر فقط! علماً أنّ المصادر المشرفة على التحقيقات تؤكد أنّه لا يقلّ «تورطاً» عن باقي القضاة الذين أدينوا بجرم الفساد. فكيف يُعقل أن تؤدي التحقيقات التي أجراها فرع المعلومات إلى صدور قرارات بصرف ثلاثة قضاة وعزل قاضٍ رابع وكسر درجات قاضٍ آخر تبيّن أنهم متورّطون في ملفات فساد، لكن هذه التحقيقات نفسها لم تؤدِّ المفعول نفسه مع القاضي المحظيّ؟ هذا ما يتردد في أوساط العدلية حيث ذهب بعض القضاة إلى الحديث عن «انحياز» حَكَم صدور قرارات المجلس التأديبي. قاض آخر علّق على القرار بالقول: «رغم كل الوساطات لحمايته لم يجرؤ قضاة المجلس التأديبي على تبرئته».

خلافاً لزملائه المُحالين على «التأديب»، لم تُكفّ يد جرمانوس عن العمل


ببساطة لم يكن بيتر جرمانوس اسماً عادياً يسهل التفريط به، ولا سيما بالنسبة إلى وزير العدل الأسبق سليم جريصاتي، عرّاب جرمانوس وخط الدفاع الأول عنه. حتى إنّ بعض القضاة يغمز من قناة العلاقة الاستثنائية التي تربط جريصاتي بكل من رئيس المجلس التأديبي ميشال طرزي والعضو المستشار أيمن عويدات. فضلاً عن أنّ القاضي المدعوم بحصانة التيار الوطني الحر لم يُعامل كباقي القضاة. ولم تُكفّ يده ليوقف عن العمل أسوة بباقي القضاة الذين أحيلوا على «التأديب»، بل جُمِّدت الحملة المسمّاة حملة مكافحة الفساد، على عتبة مكتبه.
صدر قرار «تأديب» جرمانوس بعد أسابيع قليلة على صدور قرار بعزل قاضٍ كانت هيئة التفتيش القضائي قد أحالته، مع جرمانوس، على المجلس التأديبي طالبة كفّ يديهما، إلا أن وزير العدل السابق ألبرت سرحان لم يقبل بكفّ يديهما أسوة بزملائهما الخمسة الآخرين. وأسعفت يومذاك حظوة جرمانوس القاضي المحال معه، ليكمل عمله كقاضٍ أوّل للتحقيق! لكن قرار مجلس التأديبي جاء ليعزله. والعزل هو من أقسى العقوبات التي تحرم القاضي المعزول من راتبه التقاعدي أو أي تعويض لنهاية الخدمة.
في المحصّلة، حسم جرمانوس خياره بالتقدم إلى وزيرة العدل ماري كلود نجم بطلب إنهاء خدماته يوم الثلاثاء المقبل لـ«أسباب محض عائلية». فهل تستأنف هيئة التفتيش قرار المجلس التأديبي؟ وهل تُقبل استقالته؟