زحلة هذه الأيام مشغولة ببلديتها. فالنار التي فُتحت بوجه رئيس البلدية، أسعد زغيب، لا يبدو أنّها ستخمد قريباً. ما يُغذيها، أنّ لها جذوراً مالية ــــ إنمائية ــــ إدارية، يستفيد منها المعترضون على الرجل، لإضفاء «شرعية اعتراضية» على موقفهم. التوافق السياسي الذي أتى بالمجلس بات اللُغم الذي يُهدّد استمرارية عمله. جميع الأحزاب قطعت مع تحالفاتها السابقة، ما يعني تلاشي الحاضنة الحامية للبلدية. يُضاف إلى ذلك، «مُناوشات» الأجنحة المُتعدّدة داخل الحزب الواحد، وشكّلت «زحلة ــــ المعلقة» أحد مسارحها. والمقصود هو الصراعات «المكتومة» داخل التيار الوطني الحرّ حول من يُمسك «بالزعامة الكاثوليكية الزحلاوية». يقول أحد المسؤولين المحليين في زحلة إنّ «الملفات ضدّ البلدية فُتحت بقرار سياسي، غداة الانتخابات النيابية التي دعم فيها أسعد زغيب المُرشح ميشال ضاهر، ما أثار انزعاج الوزير السابق سليم جريصاتي». ولكن أليس التيار الوطني الحرّ مُمثّلاً داخل المجلس؟ «نعم، إلا أنّ الأعضاء العونيين مُقربون من النائب سليم عون، الذي تربطه علاقة جيدة بزغيب. والأخير يحظى أيضاً بدعم نائب رئيس مجلس النواب إيلي الفرزلي والنائب ميشال الضاهر».

ردّ جريصاتي أتى «عبر مُدير مكتبه داني الرشيد، الذي بدأ يُهاجم زغيب عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ويتقدّم بشكاوى ضدّ البلدية، ويفتح الملفات، إلى أن وصل الملف إلى المدعي العام المالي القاضي علي ابراهيم الذي طلب من وزارة الداخلية والبلديات رفع الحصانة عن زغيب». ولأنّ زغيب كَسِب المعركة عام 2016 بفضل التوافق السياسي حوله، كان من الضروري أن يسعى إلى «ملاذ سياسي» جديد يقيه الإجراءات القضائية. زار رئيس الجمهورية ميشال عون، بحضور جريصاتي، «طالباً منه التدخل لدى علي إبراهيم بحجّة أنّ التحركات ضدّه مُسيّسة، فبادر وزير العدل السابق إلى القيام بهذه الخطوة». لماذا قد يفعل جريصاتي ذلك، إذا كان هو المُحرّك الرئيسي للمعركة ضدّ رئيس البلدية؟ «لأنّه بهذه الطريقة يُعيد زغيب إلى تحت جناحيه، ويُحجّم دوره في المدينة»، يردّ المسؤول الزحلاوي. وللغاية «الحمائية» نفسها، توسّط رئيس أساقفة الفرزل وزحلة والبقاع للروم الملكيين الكاثوليك، ​المطران عصام درويش، «لزغيب لدى رئيس مجلس النواب نبيه برّي». هذه المعلومات ينفيها رئيس البلدية. «كلا، لم أزر عون لهذا السبب»، يقول في اتصال مع «الأخبار»، موضحاً أنّ المرجعيات السياسية والحزبية في زحلة «وقفوا معي اعتراضاً على محاكمتي. نحن كبلدية، يوجد جهات رقابية على عملنا، فلتقم هي بعملها وتُحيلنا إلى التحقيق إن وجدت داعياً لذلك».

طلب زغيب من عون التدخل لدى علي إبراهيم


مدير مكتب جريصاتي ينفي أيضاً أن يكون تحركّه ضدّ زغيب بطلب من الوزير السابق: «خلال اللقاء في قصر بعبدا، أكد جريصاتي لرئيس البلدية أن لا أحد يفتري عليه. ولديّ تسجيلات صوتية يطلب مني (جريصاتي) فيها أن أترك زغيب بحاله، علماً بأنّني كنت أحد الأركان التي أتت به رئيساً للبلدية». يُصرّ الرشيد على أنّ دافع تحركاته وجود مستندات ووثائق حول هدر في المال العام، مُدّعماً موقفه باستقالة عضوَي البلدية (ينتميان إلى حزب الكتائب) غسان المرّ وشارل سابا «لرفضهما أن يكونا شهود زور، كما ذكرا في بيان استقالتهما». المخالفات التي قامت بها البلدية، ويذكرها الرشيد عديدة، منها إصدار زغيب تكليفاً خطياً يُجيز لأحد الأشخاص استخدام أرض تعود إلى وزارة الصحة كموقف وجباية الأموال بطريقة مخالفة للقانون، وتقاضي أحد المتعهدين المسؤولين عن تزفيت طريق حوش الأمراء فاتورتين عن العمل نفسه، واحدة من وزارة الأشغال والثانية من البلدية، وملفّ الجمعيات الوهمية. وبعد استقالة المرّ وسابا، تقدّم الرشيد بإخبار إلى النيابة العامة المالية مُستنداً إلى بيان استقالتهما الذي يُشير إلى وجود «سلسلة مخالفات إدارية ومالية ارتكبها رئيس البلدية، إضافة إلى عدم خفض الإنفاق على مشاريع السفر والتمثيل والاستعاضة عن كلّ نفقات الهدر. ووجود مخالفات في طريقة التعامل مع جدول الأعمال. وعدم فتح المنافسة في دفاتر شروط التلزيمات لإتاحة المجال أمام أكبر عدد من المتعهدين للتقدم من المناقصات، خلافاً للواقع السائد حيث المشاركة محصورة بالمحظوظين».
الثامنة والنصف صباح اليوم، يُقدّم غسان المرّ وشارل سابا إفادتيهما إلى القاضي علي ابراهيم، بعدما ذكرا في كتاب استقالتهما، في 16 كانون الثاني، أنّ قرارهما أتى «بعدما عجزنا في مراحل متعددة عن تسريع عجلة البلدية الإنمائية وتصويب أولوياتها». قبل سنة، عقد زغيب لقاء مصارحة في منزله مع أعضاء البلدية، حيث أصرّ العضوان المستقيلان «على أمور ثلاثة: 1) تعديل طريقة توزيع جدول الأعمال لتُصبح قبل 48 ساعة من موعد الجلسة على الأقل، عوض توزيع العناوين فقط أو إمرار المواضيع الدسمة من خارج الجدول. وهذا ما حصل في ما خصّ قطع الحسابات، إذ لم يكن الأعضاء يحصلون على نسخة مُسبقاً. 2) فتح المنافسة في دفتر الشروط. 3) تعزيز الإنماء المتوازن مناطقياً واجتماعياً، عقب حصر المشاريع واستملاكات نادي الضباط وإدارة السير وسوق الخضر والمسلخ ومحطة النقل والمعارض والملعب الرياضي في حوش الأمراء، وقد بلغت 10 مليارات ليرة، من دون أي استملاك في منطقة أخرى». ووجّها رسالة في تشرين الثاني 2019، لخفض الإنفاق على الأعياد والتمثيل والسفر، وتعزيز رعاية ذوي الدخل المحدود في الإنفاق الاجتماعي للبلدية، «إلا أنّ التصويت داخل المجلس أتى لمصلحة عدم خفض الإنفاق، بعدما ارتأى زغيب ذلك». خلال كلّ هذه المراحل، حاول المرّ وسابا إبقاء النقاش داخلياً مع إعطاء الفرصة للتغيير، وخاصة أنّهما «لم يرغبا أن يندرج اعتراضهما في الخانة نفسها مع الحملة السياسية ضدّ زغيب»، بحسب المصادر. إلى أن أتت قصة إشغال الأرض المحاذية لقصر العدل في زحلة، وتبيّن إصدار زغيب في 6 تشرين الأول 2017 إفادة واقع حال تُجيز لسمير خوري استخدام العقارين 276 و277، التابعين لوزارة الصحة، كموقف للسيارات. استند زغيب إلى قرار حصل عليه خوري من بلدية زحلة سنة 1994، يُجيز له استثمار العقارين. ولكن بتاريخ 21 تشرين الثاني 2019، حقّقت مديرية أمن الدولة مع سمير الخوري ونقولا سروجي (المتعهد الذي يحظى بمعظم مشاريع البلدية) بشبهة «احتلالهما أملاكاً عامة مجاورة لقصر العدل في زحلة وتعود ملكيتها لوزارة الصحة واستثمارها بصورة مخالفة للقانون وجباية أموال ناجمة عن تعرفة الوقوف عن كل سيارة تدخل إلى الموقف منذ الـ 1994». وقد تركت المديرية الخوري وسروجي إثر توقيعها على تعهد بإعادة جميع الأموال التي استوفوها جراء احتلالهما العقارين 276 و277 وإعادتها إلى خزينة الدولة.
بعد استقالة المرّ وسابا، اعتكف الأعضاء المُنتمون إلى القوات اللبنانية عن حضور الجلسات، مع إمكانية اتخاذهم قرار الاستقالة أيضاً، بما يُهدّد استمرارية المجلس. يقول المسؤول المحلي إنّ «زغيب قد يكون أقلّ رؤساء البلدية فساداً، لكن مشكلته في سوء الإدارة والتفرد بالرأي، ما أدّى إلى خلافات مع مختلف القوى الزحلاوية، ومنها لجنة تجار المدينة، وتغييبه الأولويات الإنمائية. فكيف يُمكن لبلدية موازنتها السنوية تبلغ قرابة الـ 10 ملايين دولار، أن تكون إنجازاتها في أربع سنوات تزفيت طريق وتغيير إنارة وتشييد حائطين؟».



زغيب: القصة شخصية
يقول رئيس بلدية زحلة أسعد زغيب، لـ«الأخبار»، إنّ كلّ ما يُساق ضدّه «غير واقعي وتنظير. فنحن في المجلس البلدي 21 عضواً، استقال اثنان فقط. أعتقد أنّ القصة شخصية». فبحسب المعلومات، يتهم زغيب عضوي البلدية غسان المر وشارل سابا بأنّهما باستقالتهما «يُسايران رئيسة الكتلة الشعبية ميريام سكاف، ويُحضّران للتحالف معها مُستقبلاً». يصف بلديته بأنّها «نظيفة والأولى في الشفافية. أما بخصوص جدول الأعمال، فأوزعه مُسبقاً، ولكن ممكن لحاجات ضرورية أن نطرح بنوداً من خارجه». بما خصّ مخصصات السفر، «فلا تتعدّى الـ 12 مليون ليرة، وهي مُخصصة لسفرتين في السنة، أولاً لأننا أعضاء في شبكة المدن المبدعة ــــ اليونسكو، والثانية الرابطة الدولية للفرنكوفونية لرؤساء البلديات». يتحاشى زغيب توجيه أي اتهام لأحد، ولا سيّما حول دقّة المعلومات التي تتحدث عن وجود «تصفية حسابات كاثوليكية» معه، «فأنا لا أشتغل سياسة ولا أحد يُمكن أن يضعنا تحت جناحيه».