لم تشهد منظومات العائلات السياسية في لبنان انهياراً مُذهلاً كما حصل مع الحريرية. ما نشهده اليوم آخر الفصول من رحلة طبعت لبنان بحالات خاصة منذ عام 1982، تاريخ انخراط الراحل رفيق الحريري في المشهد اللبناني، مالياً وسياسياً ودينياً. وما سيبقى من الحالة، لن يتجاوز بعض العصبيات المندثرة في المشهد اللبناني التقليدي، أي تلك التي تمنع طبيعة لبنان محوها بصورة كاملة.

مشكلة هذه الحالة ليست ارتباطها بشخص مؤسسها فقط، بل في كون التربة التي عاشت فيها لم تتآلف مع بذرتها. لقد حمل الحريري البذرة من صحراء بعيدة وغريبة. بذرة لا تعيش هنا من دون مقوّيات. وما إن تراجعت الإمكانات تآكل الزرع وانهارت المواسم وبقي فرعها المحلي فقط. وكل محاولة للإنعاش لن تفي بالغرض، بل ستكون أشبه بإطالة عمر ميّت سريرياً.
نقطة قوة هذه الحالة، اليوم، هي في كون الخصوم والبدائل ليسوا جاهزين بعد. ليس بينهم من يجرؤ على نقد تاريخ الحريرية. حتى اللحظة، لا يزال الحُرم الديني والسياسي والاجتماعي مانعاً لمراجعة نقدية فعلية لحقبة الحريرية التي أمعنت جروحاً عميقة في الجسم اللبناني. وهناك نقطة قوة إضافية، تتمثل في كون الحلفاء المحليين للحريرية، وهم يملكون جذورهم القوية هنا، يعانون أيضاً عوارض الأفول. انتفاخهم كان مجرّد أورام في طريقها إلى الزوال. وهؤلاء ليسوا قوى أو شخصيات فقط، بل مؤسسات وجهات فاعلة في الاقتصاد وفي المؤسسة الدينية.
خصوم أو بدلاء سعد الحريري، بوصفه الوريث الأول والأخير، يمرون في مرحلة فوضى كاملة. يرقصون حول بيت الرجل. لكنهم يقلّدونه كل ما قام ويقوم به. يعتقدون أنهم إن حفظوا التعليمة، حصلوا على الشعبية في لبنان وعلى الدعم من الخارج. غالبيتهم ترفض الإقرار بأن المشكلة في أصل الفكر السياسي الذي حملته الحريرية. معظم هؤلاء يتذرّعون، اليوم، بالوقائع المحلية، حتى لا يصرخوا داعين إلى خلع هذا الثوب الذي جعل من السنّة في لبنان طائفة صغيرة تعيش قلق الأقليات وخوفها. وهي متى أصبحت تشبه بقية أخواتها من طوائف هذا البلد، ستأخذ حجمها مقارنة بها. وهو حجم ظهر ضعيفاً جداً مقارنة بالآخرين.

كلّ محاولة للإنعاش لن تفي بالغرض بل ستكون أشبه بإطالة عمر ميّت سريريّاً


في القابل من الأيام سنشهد مزيداً من الصراعات داخل بيت الحريرية. حشد هائل من الورثة يتزاحمون على باب السلطان طلباً للرضى والرعاية. وحشد من المنتفعين الذين يريدون الفرار من المحاسبة العامة والخاصة. وحشد من المتفرجين الذين لا يعرفون ماذا يفعلون. يقفون مثل المنتظرين لاختيار بابا جديد... وبين وقت وآخر، يقفزون في أمكنتهم، لكنهم يعودون إلى إحباطهم وسُباتهم. جُلّهم من ضحايا هذه التجربة، يبحثون في لحظة اليُتم عن كبير يقودهم، بينما هم يحطمون كل شيء من حولهم غضباً وسخطاً على الجميع. فيما المرض الطائفي في لبنان، يمنع أحداً من مدّ يد العون؛ لا الشيعية السياسية ولا المسيحية السياسية ولا الدرزية القبلية، ولا رجالات الدولة العميقة. كل هؤلاء، ليس بينهم من يتصرف بمسؤولية إزاء المساعدة على إيجاد حلّ لبناني للمسألة السُّنية. الطوائف الساعية إلى مكاسب إضافية تفرح لانهيار إحداها من دون أن تهتم بقواعدها، ولا حتى بوراثتها. هي مركّبات اجتماعية واقتصادية تهتم بترك الخصوم ينهارون، من دون اعتبار للتماسك الداخلي. وهذا هو، بالضبط، جوهر التفاهم الشيعي – الماروني الذي قام إثر اتفاق التيار الوطني الحر وحزب الله. هو التفاهم الذي قصد بناء سدّ مانع لتمدّد السُّنية السياسية بنسختها الحريرية. وهو التفاهم المهدّد الآن، ليس بسبب انتفاء السبب الرئيسي لقيامه، بل لكون إنقاذ البلاد يحتاج إلى قاعدة وطنية أوسع من التفاهمات الثنائية.
لكنّ الأسئلة المحرّمة في مواجهة الحالة الحريرية تتعلق بالهُوية العامة، وطنياً وعربياً. وما يتفرّع عنها، أسئلة حول النموذج الاقتصادي وحول فكرة الدولة، وحول الموقع من الأزمات القائمة في لبنان والإقليم، بعدما دفع سُنة لبنان ثمن أخطاء الآخرين في الإقليم.
اليوم، ربما يجدر بكل من يفترض نفسه بديلاً أو وريثاً أو طامحاً لاحتلال العرش، أن يفكر قليلاً في الأسباب التي أدّت إلى هذا الانهيار المريع للحريرية. وهي أسباب تتجاوز مقتل الأب المؤسّس. بل هي عميقة الصلة في كون خياراته كافّة لم تكن تحاكي حاجات الجمهور في لبنان وطموحاته. وهنا، يجدر عدم الخوف أو الهرب من الأسئلة الكبرى حول الموقف من قضية فلسطين، ومن التيار التكفيري السائد وسط المجموعات الإسلامية، والموقف من مبايعة عواصم القهر والتخلّف في ممالك الجزيرة، والموقف من استرضاء الغرب في تكرار لتجربة مسيحيي الشرق الذين دفعوا من وجودهم ثمن التحاقهم السياسي بالغرب.
لكن، هل يتصرف بقية اللبنانيين، على أن السؤال يخصّهم أيضاً، وأن العلاج لا يقتضي توزيعاً جديداً للحصص بين طوائف متهالكة وبُنى سياسية وحزبية مترهّلة ومتخلّفة، بل القفز فوق كلّ العلاجات التقليدية، نحو دولة مدنية تنشد علاقات قوية مع عمقها العربي، ومعبره سوريا!