انتهت جلسة التصويت على موازنة 2020، الاثنين الفائت، إلى تكريس أكثر من سابقة لحالات مماثلة تستجدّ مستقبلاً، في ضوء هذا الكمّ من الاستثناءات الذي رافقها:

أولها، أن تمثل حكومة جديدة لم تنل الثقة من مجلس النواب بعد لمناقشة موازنة لم تكن هي قد وضعتها، بل ورثتها من حكومة سابقة من غير أن يتاح لها استردادها أو طلب إعادة النظر فيها، أو إبطاء إقرارها حتى. أن يحضر رئيس الحكومة دون سواه من وزراء حكومته هذه الجلسة ويعلن تبنّيه مشروع القانون، ومن ثم يعمل وحكومته على تطبيق بنودها.
ثانيها، أن يثبّت مجلس النواب مجدداً - وهذه ليست المرة الأولى - حقه في التشريع في جلسة تحضرها حكومة لم تنل الثقة. أن يؤكد أيضاً أن تأليف حكومة جديدة وانتظار نيلها الثقة لا يوقفان عجلة مضي البرلمان في صلاحية التشريع التي ناطها به الدستور.
ثالثها، وقف التباس لازَمَ مقاربة ما نصّت عليه المادة 69 من الدستور في تفسير العقد الاستثنائي المفتتح تلقائياً دونما حاجة إلى مرسوم من رئيس الجمهورية ما إن تستقيل حكومة إلى أن تنال الحكومة الجديدة ثقة مجلس النواب. توسّع السجال والاجتهاد حيال هذه المسألة عشية جلسة الموازنة، وتواصل ما بعدها، بالقول بأن العقد الاستثنائي هذا، المختلف كلياً عن العقدين العادي والاستثنائي المنصوص عليهما في المادة 32 والمحددة مواعيدهما الملزمة، هو طراز ثالث من العقود ينشأ من تلقائه ويستمر بلا حاجة إلى مرسوم رئاسي، ولا تتوقف مفاعيله ويُلغى للفور سوى بعد نيل الحكومة الجديدة ثقة البرلمان. ما أكده المجلس ورئيسه نبيه برّي أن التشريع حق مطلق له في الطراز الثالث، على غرار حقه الطبيعي والدستوري في التشريع في العقدين العادي والاستثنائي، ولا حائل أمامه لاضطلاعه بصلاحياته الدستورية كما تلك المنصوص عليها في النظام الداخلي. الرأي المناقض أن التئام المجلس في العقد الاستثنائي الطارئ يُبقيه حاضراً لوظيفة محددة، هي نيل الحكومة الجديدة الثقة، لكن دونما أن يشرّع.
رابعها، إصرار المجلس على احترام المهلة الدستورية لإقرار الموازنة قبل 31 كانون الثاني، بعدما تسبّبت انتفاضة 17 تشرين الأول في إمرار العقد العادي الثاني من غير تمكّنه من التصويت عليها حتى نهاية السنة. هو بذلك أقرها في عقد استثنائي مفتوح حتّمته الاستقالة المفاجئة للرئيس سعد الحريري في 29 تشرين الأول، دونما حاجته في الأصل إلى مرسوم من رئيس الجمهورية طوال كانون الثاني.
خامسها، أن المجلس لا يزال في ظل العقد الاستثنائي التي يمكّنه من الانعقاد والتشريع في أي وقت، ما دامت الحكومة الجديدة حتى الآن حكومة تصريف أعمال. عنت هذه القاعدة تكريس مفهوم تصريف الأعمال الذي يقتصر على نطاق ضيق من ضمن ما تنص عليه المادة 64 من الدستور في الأحوال العادية، مقدار ما يصح توسيع هذا النطاق استثنائياً عندما يتعلق الأمر باستحقاق دستوري وبقيود المهل شأن الموازنة. حمل ذلك برّي على القول بأن في وسع الرئيس الجديد للحكومة كما الوزير الجديد للمال توقيع قانون الموازنة قبل سلوك طريقه إلى الإصدار والنشر بفعل واقع حكومة تصريف الأعمال الذي يتطابق بين حكومة مستقيلة وأخرى تألّفت ولم تنل الثقة. بذلك ليس لهما انتظار الثقة لإصدار القانون ونشره.
سادسها، سقوط أي تشكيك في ميثاقية حكومة الرئيس حسان دياب كونه ليس «الرجل القوي» في طائفته، ولا كتلة له في مجلس النواب تحمي دوره، ولا يحظى بتفويض طائفته. بيد أن هذا الإشكال - الذي سبق أن رافق حكومة الرئيس نجيب ميقاتي عام 2011 - تراخى تدريجاً ويكاد يصبح معدوماً بعدما فقد مغزاه حينما حضر بعض نواب كتلة المستقبل جلسة التصويت على الموازنة، فقدموا لبرّي ودياب معاً هدية إكمال النصاب القانوني لانعقاد الجلسة، من غير أن يكون تصويتهم ضد موازنة كانت أعدتها حكومة الحريري بالذات غير ذي أهمية أو معرقلاً حتى. انطوى ما حصل على تسليم بالأمر الواقع وإن دونما الاستسلام له. المثير للغرابة أن السبب المباشر لتأخر التئام الجلسة إلى الحادية عشرة والنصف ليس انتظار اكتمال النصاب القانوني فحسب، وخصوصاً أن النواب الحاضرين من كتلة المستقبل كانوا في مبنى البرلمان وأولهم رئيستها النائبة بهية الحريري. بل انتظروا حتى هذا الوقت موقف الحريري للتأكد من مشاركتهم في الجلسة أو انسحابهم وخيار تصويتهم. تأخر حصولهم على موقفه إلى أن استيقظ من نومه - هو المعتاد على النوم الطويل إلى قبل الظهر والمشهود له كسله - كي تتمكّن الحريري العمّة من التحدث إليه في سريره في باريس.

انتظرت كتلة المستقبل الحريري حتى يفيق من نومه ليُعلمها بقرار المشاركة في جلسة الموازنة


لا تقلّ الشروط الدستورية لإقرار الموازنة أهمية عن الشروط السياسية التي رافقت التحضير لها حتى عشية انعقادها. أجرى برّي مكالمتين بالحريري وبالنائب السابق وليد جنبلاط كي يشارك نوابهما فيها. مع أن موقف كلا الزعيمين السنّي والدرزي من الحكومة مختلف عن الآخر، إلا أنهما جاريا رغبة رئيس المجلس في الحضور وإكمال النصاب القانوني لعقد الجلسة. بينما جنبلاط متمثل فيها بأحد المقعدين الدرزيين انطبق عليه كما الكتل الأخرى عدم توزير حزبيين فيها، اتخذ الحريري موقفاً سلبياً: بتشكيكه أولاً في ميثاقيتها كون رئيسها وفق موقفه هو لا يمثل طائفته مثله، ومقاطعته المشاركة فيها ثانياً وجهره ثالثاً سلفاً بحجب الثقة عنها، مع أنه قلّل من وطأة موقفه هذا قبل أيام، عندما تحدث عن ضرورة منح الحكومة الجديدة فرصة.
يتسلح الحريري، بما يعدّه عناصر قوة في موقفه السلبي، بالآتي:
1- باستثناء أمير الكويت، لا موقف خليجياً إيجابياً بعد من حكومة دياب. لم تُقدم أي من دول الخليج أو أحد سفرائها في بيروت، وخصوصاً السفيرين السعودي والإماراتي، على تهنئته. موقف لا يزال يوحي بعدم رضى عربي عن رئيس الحكومة إلى إشعار آخر، رغم قوله بأنه في صدد جولة عربية تبدأ من السعودية. على طرف نقيض، سارع سفراء عواصم كبرى وغربية إلى تهنئته وزيارته في السرايا، وأكدوا دعمهم الحكومة الجديدة.
2 - يُنتظر انتقال الحريري من باريس إلى الرياض غداً الأحد في زيارة هي الأولى له منذ أشهر طويلة، بعدما اعتاد الالتقاء بعائلته المقيمة هناك في العاصمة الفرنسية في معظم الأحيان. لم يتأكد بعد هل في جدول الزيارة مواعيد مع مسؤولين سعوديين كبار أو أنها تلبية لدعوة رسمية إليه، وخصوصاً أن آخر استقبال له من الملك سلمان بن عبد العزيز كان في 11 آذار 2019 في غياب ولي العهد الأمير محمد بن سلمان المنقطع بدوره عن الاجتماع بالحريري، علناً على الأقل منذ قرابة سنتين. المرة الأولى بعد احتجازه في الرياض كانت في 3 آذار 2018، ثم ثانية وأخيرة في 24 تشرين الأول 2018 إبان مؤتمر الاستثمار في الرياض. إلا أن الإذن بحصولها وإن له هو بالذات كمواطن سعودي - الخارج من السرايا ومن الحصانة التي وفّرتها له منذ إطلاقه بعد احتجاز تشرين الثاني 2017 - تحمل في ذاتها مؤشراً جديداً وربما مختلفاً وإيجابياً إذا اقترن بمقابلات رفيعة المستوى.
3 - إلى اليوم تتصرّف دار الإفتاء كما لو أنها لم تعترف بعد بدياب رئيساً للحكومة، ولا تريد أن تمنحه الغطاء المعنوي في طائفته. لم يستقبله المفتي الشيخ عبداللطيف دريان، ولا هنّأه بتعيينه في منصبه.