كان يفترض أن يحتفل لبنان هذه السنة بمرور مئة عام على إنشاء دولة لبنان الكبير. بدلاً من ذلك، وبعد مرور أكثر من مئة يوم على انتفاضة شعبية لم يشهدها سابقاً لا اعتراضاً على ممارسات ميليشيوية خلال الحرب الطويلة أو سلطوية محلية أو خارجية، يعيش لبنان على وقع حالة اقتصادية واجتماعية لم يسبق أن شهدها في تاريخه الحديث. وبعيداً عن الأرقام «المأسوية» التي يتحدث بها الاختصاصيون في المجالَين النقدي والاقتصادي، يختصر أحد السياسيين ــــ الاقتصاديين، مقاربته للوضع المالي والاجتماعي الذي يقبل عليه لبنان بأن «اللبنانيين قرأوا عن مجاعة 1914، لكن الخشية الكبرى أنهم سيعيشونها اليوم في ذكرى المئة عام على قيام دولة لبنان الكبير».

ليست هذه العبارة تهويلاً ولا مقارعة للعهد أو الحكومة الحالية والسابقة من باب النكد السياسي. بل هي تعبير عن واقع جدّي يتلمّسه معنيّون بالشأن الاقتصادي بعد معاينة ميدانية ومسح أوّلي لواقع المؤسسات الصحية والاستشفائية والمدارس والجامعات الخاصة والمؤسسات التجارية الصغيرة والمتوسطة التي تقفل في عدد من المناطق ويسرّح عمالها، يمكن البناء عليها لتوجيه تحذيرات لافتة. وإذا كان لا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة، يصبح السؤال بعد نحو أربعة أشهر على انفجار الأزمة المعيشية، هل العهد وحده مسؤول عما وصلت إليه حال الأوضاع الاقتصادية، أم واقع التضييق الدولي والعربي على حزب الله، أم التركيبة السياسية التي حكمت لبنان منذ 1990 حتى اليوم، أم منظومة متكاملة من إدارات عامة وخاصة وقطاعات خاصة والمصارف واحد منها؟ ولا يكمن تحديد المسؤوليات في الإشارة فقط الى منبع الأزمة، بل في مواجهة فعلية للواقع وعدم التعمية عليه وغشّ الناس وتخديرهم، ولا سيما أن القوى السياسية تتهرب من معاينة الوقائع الاجتماعية الملموسة، ومن مقاربة مستوى الانهيار الحاصل، منصرفة الى سجالات سياسية بحت وفتح ملفات الصراعات الداخلية، من دون أي اعتبار للحالة الاجتماعية المتفاقمة.
صحيح أن العقوبات الأميركية فاعلة وتضيّق على لبنان، وأن حزب الله مشارك في الحرب في سوريا، إضافة إلى صراعه مع الولايات المتحدة، وأن الرئيس سعد الحريري تخلّى عن أبسط واجباته، وأن العهد والوزير السابق جبران باسيل مسؤول تماماً كشريك في تسوية مالية ومصرفية منذ ثلاث سنوات، لكن ذلك لا يعني أن حجم معالجة الانهيار كما يظهر حتى الآن يوازي حجم الخطر الحقيقي. لأن الأزمة لم تبدأ حين باشرت المصارف حملتها ضد المودعين، بل مع الكلام قبل أشهر من 17 تشرين الأول عن ضرائب جديدة وتعديل الضريبة على القيمة المضافة وعلى السلع التي اعتبرتها مجموعة من منظّري الحكومة السابقة والعهد على السواء أنها كماليات. ولا يمكن تبعاً لذلك إغفال التوجه الاقتصادي الذي كان قائماً عشية إسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري، ولا يبدو أنه في طور التبدّل، واستكمل مع الإجراءات المصرفية التي انكشفت عوراتها في لحظة مفصلية، والانهيار التدريجي لسعر الليرة، ليضاف الى سنوات التسعينيات التي حفلت بسوء الممارسة الاقتصادية والمالية التي واجهتها مجموعة من النواب والقوى السياسية آنذاك، في المجلس النيابي وخارجه. كل ذلك في كفة، والنتائج الاجتماعية في كفة أخرى، وهي التي لا تجد فعلياً لدى القوى السياسية المنصرفة الى تصفية حساباتها مع المتظاهرين أو مع بعضها البعض، أو في استعادة نفوذها، أيّ متابعة جدية، أو حتى قراءة لما يكتب يومياً عن انعكاس الأزمة على الناس ومتطلباتهم اليومية.
فمنذ بداية العام، بدأت تنكشف أمام معنيين وقائع عن أزمات معيشية تبلورت أكثر فأكثر في ارتفاع مستوى الطلب على مساعدات غذائية لم يسجّل مثيل لها في عزّ حقبات التهجير والحرب، إضافة الى إحصاءات عن حالات الفقر المرتفعة والتقشّف وتوقّف عائلات عن شراء سلع غذائية أساسية. رغم ذلك، ظلت معاينة التدهور الاجتماعي محكومة بانتظار مزيد من الوقائع، ولا سيما مع تراجع إيرادات العائلات والرواتب المقتطعة وانخفاض قيمتها. وقد بدأ يظهر بعضها تدريجاً، ومنها ما كشف في الأيام الأخيرة عن تقويم أجرته مؤسسة تعليمية كبرى لمستقبل السنة الدراسية المقبلة.

القوى السياسية لا تزال غائبة عن قراءة ظروف ومتطلبات مجتمعاتها

المؤسسة معروفة بأقساطها المرتفعة وبأن أبوابها مفتوحة لطبقة من ذوي الدخل غير المحدود. وتبيّن نتيجة المسح أن نسبة تلامس 70 في المئة من العائلات لن تتمكن من تسديد أقساط السنة المقبلة، قياساً بالوضع الراهن. تعكس هذه النتيجة الاستباقية، في مكان يفترض أن يكون في منأى عن الانهيار الذي يصيب ذوي الدخل المحدود، نموذجاً لما قد تشهده الجوانب الحياتية الأخرى، فضلاً عن حالات مماثلة في مؤسسات تربوية مدرسية وجامعية خاصة بعد تكاثر أعدادها وتأثير ذلك على واقع جهازها التعليمي. يضاف الى ذلك ما تكشفه وقائع المؤسسات الاجتماعية المعنية بالمساعدات وتمكين العائلات من البقاء في مكان إقامتها من انهيار تدريجي من صعوبات تنبئ بأن مستقبلاً قاتماً في انتظار اللبنانيين الذين يعيشون على وقع وعود سياسية ومصرفية غير قابلة للتطبيق العملي. وخطورة هذا التدهور الحاد، أنه بدأ يترك أثره في شكل أولي وسريع في ارتفاع نسبة المهاجرين وتقديم طلبات الهجرة، في شكل لم يشهد مثله لبنان في فترة زمنية قصيرة، وقد تكون أقسى من موجتَي هجرة ما بعد المجاعة والتسعينيات. إضافة الى الاحتمالات الأمنية التي تتوقعها الأجهزة الأمنية كردة فعل تلقائياً في ظروف مماثلة. هذا كله لا يجد ترجمة عملية له، إلا لدى مجموعات المتظاهرين الذين يسعون الى إبقاء تحركاتهم حية، بقدر ما يمكن أن يصمدوا بعد مرور أكثر من ثلاثة أشهر، في مواجهة سلطتين سياسية وأمنية تريد تطويعهم. ما عدا هذه الفئة، فإن تعامل القوى السياسية والحزبية مع التدهور الاجتماعي لا يزال غائباً عن قراءة ظروف ومتطلبات مجتمعاتها، تماماً كما الكنيسة المتخلّية عن أبسط واجباتها تجاه مجتمعها منحازة الى الطبقة الحاكمة في شكل كامل.