يصل نائب وزير الخارجية الأميركي للشؤون السياسية ديفيد هيل الى لبنان في الأيام القليلة المقبلة، موفداً من وزير الخارجية مايك بومبيو. وخلافاً لزيارة بومبيو في آذار الماضي التي عدّت خرقاً للسيادة وتدخلاً في الشؤون اللبنانية عبر وصفه حزب الله بـ «الإرهابي»، طالباً من اللبنانيين الوقوف في وجهه وتخييرهم بين الحصار أو السير بما تريده واشنطن، تقول المصادر إن هيل يعرف لبنان جيداً، وليس صدامياً كوزيره، ولا كمساعد وزير الخارجية لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر. وزيارته هي الأولى لمسؤول أميركي منذ 17 تشرين الأول. «دبلوماسية» هيل لا تعني بطبيعة الحال أنه لن يكرر موقف الأميركيين نفسه تجاه حزب الله ومعارضتهم مشاركته أي حكومة مقبلة. هناك من يذهب أبعد من ذلك في الإيحاء وكأن الزائر الأميركي يأتي محمّلاً بفائض من الحماسة حيال الجيش اللبناني، على اعتبار أن إمساك الجيش بالسلطة والشارع قد يكون حلاً عابراً للمناطق والطوائف، الأمر الذي تنفيه أوساط مطّلعة على أجواء الإدارة الأميركية، مشيرة الى أن «استثمار الولايات المتحدة الوحيد في الدولة اللبنانية اليوم هو الجيش ولم يعد لا في سعد الحريري ولا في تيار المستقبل. نتيجة هذا الموقف، تقرر منذ أسبوعين استئناف المساعدات العسكرية للجيش بعدما كانت معلقة منذ أيلول الماضي، ما يعني أن محادثات جديدة تتعلق بالجيش حصلت، وخصوصاً بعدما أظهر حنكة في تموضعه منذ الأحداث الأخيرة». إذ تنظر الإدارة الأميركية الى مؤسسة الجيش على أنها «المؤسسة الوحيدة التي لا ترتاب منها نهائياً وتعززت ثقتها بها كثيراً». كل ذلك لا يعني وفقاً لهذه الأوساط أن هيل آت ليطرح حكومة عسكرية، إنما أن يحرص على بقاء الجيش «صاحب القرار الأول في البلد وأن يحكم سيطرته على الأرض في حال تدهور الوضع كما حصل أخيراً. لا مانع هنا من حكومة تكنوقراط». لكن تلك تفاصيل، إذ يتركز اهتمام الولايات المتحدة اليوم على هدف واحد وهو تحقيق توازن ما بين أكبر قوتين عسكريتين في لبنان، «الجيش اللبناني وحزب الله، في ظل تراجع كل حلفائها السياسيين. وما المساعدات العسكرية والتدريبات القتالية التي تؤمنها أميركا للجيش سوى محاولة لفرض قواعد لعبة جديدة في الداخل اللبناني عبر تشكيل ضغط متواصل على حزب الله وربما مواجهته لاحقاً إذا ما فرضت الظروف السياسية والأمنية ذلك».

في موازاة ذلك، تشير مصادر مطلعة على الموقف الأميركي الى أن زيارة هيل ستكون «كلاسيكية» من ناحية الجولة على جميع القيادات السياسية. فالأخير «صديق الجميع منذ أن كان سفيراً في لبنان، وسيزور عدداً من السياسيين من جميع الانتماءات وعلى رأسهم الرؤساء الثلاثة». والمفارقة هنا أن بعض السياسيين ممن تقتصر وظيفتهم على «تنفيذ الأوامر الخارجية»، ينتظرون بفارغ الصبر زيارة هيل بعدما استنفدت كل الحلول اللبنانية. فربما قد يحمل إليهم «أمر اليوم» ليشرعوا في التسويق له. وتؤكد هذه المصادر أن هيل لا يحمل حلولاً جذرية سياسية أو اقتصادية، إنما يقوم بجولة استعراض سياسي، مستبعدةً أن يتطرق الى أي طرح عسكري. «فلا مجال لحكومة عسكرية في ظل وجود رئيس للجمهورية، والشارع الذي خرجت منه سابقاً بعض الأصوات المشيدة بالعسكر وتوليهم الحكم إنما كانت بفعل فائض الحماسة ولم تعد مطروحة اليوم. فضلاً عن معارضة غالبية القوى السياسية لطرح مماثل». لكن الزيارة الأهم ستكون لرئيس مجلس النواب نبيه بري الذي سيتطرق خلالها الى موضوع ترسيم الحدود البرية والبحرية مع فلسطين المحتلة، برعاية الأمم المتحدة. وكانت المفاوضات قد علقت نتيجة رفض أميركي وإسرائيلي للثوابت اللبنانية وإصرارهما على التزام لبنان بخط هوف وفصل ترسيم الحدود البحرية عن البرية. وتقول المصادر السياسية في هذا الإطار إن «هيل سيسعى مجدداً الى التركيز على النقاش بشروط إدارته نفسها، رابطاً بينها وبين تخفيف الضغط السياسي على لبنان إذا سار بالملف كما هو وبما يخدم المصالح الإسرائيلية». كذلك من المتوقع أن يمارس هيل ضغوطاً كبيرة على الجانب اللبناني، سعياً للإفراج عن العميل عامر الفاخوري.