بالضد من حيوية الجسم اللبناني المفاجئة، فإن الوقائع المخالفة التي افتتحتها غضبة 17 تشرين الأول لم تبلغ بعد (هل تملك أن تبلغ، ومتى وكيف؟) ما كان مأمولاً منها لجهة إعلان القطع الكامل أو حتى التدرّجي بين ما كان قبل الغضبة، التي سرعان ما صارت حراكاً واعداً، وبين ما يجب أن يكون بعدها.

وفي غمرة هذه الحيوية المفاجئة، يغيب عن البعض أن مهمة القطع هذه، والتي تأخرت (عن قصد مشبوه!) بأكثر مما يجب، سياسية بامتياز. كما يغيب عنهم أن بلوغها يحتاج إلى قدرات وخبرات سياسية وتنظيمية لا يبدو أنها متوافرة حتى اللحظة عند قوى المعارضة، وبالذات منها تلك الجدّية. وحين نتحدث عن المعارضة الجدّية فالمقصود بذلك تلك القوى التي لا غبار على حساسيتها الاجتماعية ولا على التزامها الوطني والقومي وأولها الحزب الشيوعي. لكن المفاجأة التي صدمت الجميع، بمن فيهم خصوم الحزب وأعداؤه ناهيك بالأصدقاء، أن هذا الحزب العريق وصاحب التجارب النضالية والمساهمات التحريرية لم يكن، كعادته خلال المراحل التي تلت وضع الحرب الأهلية أوزارها، بمستوى اللحظة. فالحزب الذي افترضنا، بدلالة المنطق والحسّ السليم، قدرته على أخذ المبادرة وامتلاك التأثير لم يكن على قدر الآمال العراض التي توسّمت فيه لعب دور صمّام الأمان السياسي والاجتماعي الذي يمنع التسلق ويحول دون أنواع المصادرات. بل أنه، بدلاً من تصديه لهذه المهام التي لا جدال في تمكّنه منها، بدا شديد الفقر والتواضع. إذ بدا مثله مثل سائر اللاعبين المأخوذين بالانفعال وتصفية الحسابات غير السياسية والثأرية التي لا أساس لها وردّات الفعل العشوائية. والرصيد النضالي الغني الذي يستحق، برغم الشوائب والملاحظات الكثيرة، أن يُعتد به ويبنى عليه ضاع في غمرة «حماسة صبيانية» حكمت إيقاع عمله فضلاً عن اللامسؤولية في تعيين الأصدقاء والخصوم التي طبعت مجمل أدائه. الأمر الذي صعّب على كثيرين، في لحظات مفصلية، التفريق بين خطابه الخاص وخطاب الآخرين من متسللي الغفلة من عصابات السلطة ومرتزقة الأن جي أوز.
ما يجدر بقوى الحراك، والمعنيين به، الانتباه إليه أن «العفوية» التي وسمت أيام الحراك الأولى قد أدّت مهمتها، وأنجزت ما عليها لجهة كشف عمق الأزمة ونجاحها في اجتذاب القطاعات الواسعة التي ملأت الفضاء العام. وبات من الواجب، اليوم وقبل الغد، المبادرة والانتقال إلى المرحلة التالية التي تستوجب، حكماً، ما هو أبعد وأعمق من الارتجال والخفّة، أي إلى إعمال العقل والخيال، وتالياً التحلّي بقدر عال من الحسابات المسؤولة والواعية، يليق باللحظة القيامية التي يعيشها البلد. وهذه بدورها تستلزم من القوى المؤهلة والقادرة وذات الحساسية الاجتماعية والوطنية الواعية لتعقيدات اللحظة محلياً وإقليمياً وربما دولياً (الحزب الشيوعي، «مواطنون ومواطنات»...)، أداء مغايراً يحيط بالمشهد وتفاصيله غير البسيطة، والانتباه إلى أن المحلي الذي ننتمي إليه لا ينفصل عن الإقليمي والدولي. إنه التحدي الذي يفرض نفسه مع انكشاف البلد وافتضاح عجز «نخبه» التقليدية عن توفير المخارج التي تكفل عبور الأزمة وتحافظ في الوقت ذاته على مكامن القوة التي لا غنى عنها لبقاء البلد وديمومته. وكل مقاربة لا تلحظ هذا الترابط بين هذه الفضاءات الثلاث ستكون الوصفة المثالية المُمَكّنة للأعداء الذين تؤرقهم الكوابيس الاستراتيجية التي تغيرت وأمست تهدد ركائز وجودهم وأساساته.
لذلك، وبعيداً عن التفاؤل الأخرق، ينبغي الاعتراف بأن ما تحقّق حتى اللحظة، على أهميته، يبقى ناقصاً، ولا يرقى إلى وصفه بالإنجاز. فالإنجاز، تعريفاً، يكون بكسر ميزان القوى الحاكم أو خلخلته وهو ما لم يحصل حتى اللحظة بدليل استمرار سعد الحريري وأقرانه من أركان الفساد في ألاعيبهم القذرة السابقة على الانفجار الشعبي، بل والانتقال إلى الاستثمار المعلن فيه. الإنجاز الجدير بالتسمية هو غير الإنجاز الرمزي الذي تحقق بالاحتشاد والتجرؤ على بعض قلاع السلطة (مصرف لبنان نموذجاً). الإنجاز الفعلي الذي يتوق إليه الناس الذين أذلّهم الفقر وأرهقتهم التبعية وأشكال الارتهان الزبائني لا يتم ولا يكتمل إلا بالكسر الفعلي، لا اللفظي، مع أشكال الاستتباع السلطوي القائم وتحطيم أصنامه. وهذا ما يصعب تحقّقه إن لم تجر المسارعة إلى مغادرة مربع التعميم المخلّ والضبابية المشبوهة، وتالياً التعيين الدقيق، وبالأسماء العلم، لكل المسؤولين الفعليين عن وصول البلد إلى القاع العميق الذي هو فيه والذي لم يكن ليخفى على عاقل. وهؤلاء المسؤولون معروفون بالأسماء والعناوين وحتى أرقام الهواتف، وكل تلكؤ عن هذه المهمة العاجلة يقلّل من رصيد الحراك ويأكل من صدقيته المرضوضة أصلاً بفعل الدعسات الناقصة ومحاولات الحرف وخلط الأولويات وتعميم المسؤوليات الذي أوصل إلى تجهيلها. المواجهة المباشرة مع الخصوم الفعليين وما تقتضيه من فرز هو السبيل الوحيد لتحقيق الغاية التي أوجبت كل هذا الغضب... فتجويف البلد وتجريفه وتبديد مقدراته وغيرها من الارتكابات الممتدة، لا يجب أن تكون موضوع تردد أو حسابات لا معنى لها، فضلاً عما هو أخطر من مساومات أو مفاوضات، لا مع هذا ولا مع ذاك من صنّاع الانهيار، على ما تشي به التسريبات عن قنوات الاتصال المفتوحة بين بعض مجموعات الحراك وبعض أهل السلطة.
إنها اللحظة التي تفرض على الحراك وأهله الحقيقيين المبادرة إلى تنظيم الأولويات وتبويبها بعيداً عن أجندات قوى الداخل والخارج التي طالما كانت شريكة في الارتكابات وصانعة لها، والمسارعة إلى صوغ البرنامج الواضح، وتعيين حَمَلته المؤهلين، وإلا فإن كل ما جرى مراكمته، وهو حتى اللحظة معنوي ورمزي، على مدى شهر وأكثر، معرض للتبدد.

بعيداً عن التفاؤل الأخرق، ينبغي الاعتراف بأن ما تحقّق حتى اللحظة، على أهميته، يبقى ناقصاً


أما التلهي بالعراضات الفولكلورية وغيرها من الفعاليات فلا يعدو أن يكون هدراً للوقت الثمين. لأن من شأن الغرق في الفولكلور أن يفضي إلى تجويف الحراك من مضمونه السياسي، وتالياً فتح الأبواب أمام بدء التنازلات. المطلوب التأكيد على العناوين المفتاحية للتغيير. وربما كان أحد هذه العناوين ضرورة وواجب المحاسبة الفعلية التي يمكن لمباشرتها أن يؤدي إلى القطع مع كامل فلسفة وتوجهات المنظومة المافياوية التي ابتنتها الحريرية السياسية. ولقد بات واضحاً، برغم الصعوبات، أن النيل من المنظومة ومكامن قوتها ليس بالأمر المتعذر، لكن الوصول إلى هذا الهدف الحيوي يستدعي مقاربة حراكية مختلفة لا يبدو أن هناك من يعمل عليها. بل أن ثمة وقائع تشي بما هو معاكس. بدليل المراوحة والتعثر اللذين باتا يلقيان بأسئلتهما على الحراك. فالمراوحة هي هدر لـ«الوقت الثوري» وفرصة نجاة توفر لسعد الحريري ورياض سلامة وباقي الشركاء استمرار شغل المشهد بألاعيب بالية سابقة على الحراك. الأمر الذي يهدد بتبديد الجهود وكسر الآمال وبالتالي الدفع باتجاه مرحلة إحباط مديد. إنها المسؤولية التاريخية التي لن يكون بوسع أصحاب المصلحة في التغيير التنصل منها، خصوصاً أن هناك تزايداً في الإشارات السلبية التي تصب في صالح أعداء الحراك وفي مقدمتهم أهل الحريرية السياسية ورعاتها الإقليميون والدوليون.
إنها القيامة اللبنانية الأولى من نوعها. وأهميتها تكمن في كمّ ونوع الجديد الذي لم يسبق للبنان ما بعد الطائف أن عرفه. بدءاً من اتساع دائرة المشاركين إلى تنوع طوائفهم ورقعة انتشارهم التي عمّت البلاد من شمالها إلى جنوبها. وبقدر ما هي كذلك فإن الأخطار المحدقة كثيرة وكبيرة. ومن شأن التهاون في مواجهتها أن يسمّم المناخ الحراكي المسمّم أصلاً باللصوص والسارقين ومنتحلي الصفة.