مَن ينسى إريك كانتونا؟ يصعب ذلك على مَن رآه مرّة. حسمها، لاعب كرة القدم الفرنسي، قبل تسع سنوات: «يكفي أن يسحب المودعون ودائعهم مِن المصارف، جماعيّاً، حتى ينهار النظام المصرفي». أشعل «ثورة» في بلاده آنذاك. ثورة مِن نوع خاص، داخل ثورة. دبّ الهلع بين المصرفيين، خاصّة بعدما رصدوا تفاعل الجماهير معه، وقد حدّدوا بالفعل موعداً للتنفيذ. كان، صاحب الياقة المرفوعة، قد اعتزل الملاعب وبات يوصف بالفيلسوف. راقه ذلك. أرخى لحيته وتمظهر. التظاهرات المليونيّة تملأ شوارع فرنسا، ضدّ الضرائب والفوائد الضخمة التي تكسبها المصارف، فيما نجم «مانشستر يونايتد» التاريخي يُعلّق: «ما معنى أن ينزل إلى الشوارع 3 ملايين متظاهر ليصرخوا؟ هذا لا يفيد. المصارف هي أساس النظام العالمي الحالي الذي يقود إلى الفقر. نسحب الودائع فينهار». مِن جملة ما كان يُطالب به الشارع الفرنسي يومذاك: «عدم تكرار إنقاذ المصارف المكلفة للماليات العامّة. وقف المساعدات الضخمة للمصارف». كم يُشبه هذا ما عُرِف عندنا، نحن في لبنان، خلال السنوات الأخيرة بـ«الهندسات الماليّة» لمصرف لبنان؟ كم تتشابه هذه الأزمات. أليس هو النظام العالمي؟ بلى. رأس المال، كالفقير، هو نفسه في كلّ مكان.

عند مغيب يوم أمس، كان هاني عضاضة، الشاب اليساري، يقف أمام مصرف لبنان جائعاً. حرفيّاً، كان جائعاً. طلب، إن كنّا سنأتي لرؤيته، أن نزوّده بسندويش. لم يكن أكل طوال النهار. قضى نهاره كلّه ضدّ المصارف. قبل وقفته هناك، عند المغيب، كان صباحاً داخل بنك «عودة» في منطقة الحمرا. دخل ووقف في البهو وراح يقرأ بيانه: لا بدّ مِن تغيير النموذج الاقتصادي برمّته في لبنان... كيف ترفض بعض المصارف التعامل بالليرة اللبنانية، العملة الوطنيّة، وهذه مخالفة للقانون! يدخل رفيقه محمد بزيع على الخط بصوته، خاتماً: «لا بدّ أن تُصادر أرباح الفؤائد الخيالية لهذا البنك». في المنطقة نفسها، الحمرا، كان بزيع دخل بنك «ميد» وأذاع بيانه. لم يحمل ورقة بيده، كان حفظه عن ظهر قلب، رغم كلّ ما حمله مِن أرقام: «هذا البنك لأصحابه آل الحريري، الذين راكموا ثروات مستفيدين مِن الدين العام، لقد نهبوا الشعب اللبناني والطبقات العاملة وخزينة الدولة. نهبوا أخيراً عبر الهندسات المالية، التي قام بها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. اليوم يرفضون إعطاء المودعين أموالهم». قال كلّ ذلك وأكثر متنقلاً في البهو، موجهاً كلامه إلى الحاضرين، الذين لزموا الصمت. لاحقاً، كان بزيع أمام مقرّ جمعيّة المصارف في وسط بيروت يذيع بياناً أيضاً. كان ورفاقه يوثّقون نشاطهم بواسطة كاميرا الهاتف. مِن هناك طالب الشاب، الآتي مِن قطاع الشباب والطلاب في الحزب الشيوعي اللبناني، بهيكلة الدين العام وشطب جزء منه. كذلك طالب بمحاسبة أصحاب المصارف والمدراء التنفيذيين لها، إضافة إلى حاكمية مصرف لبنان، فهؤلاء «كلّهم يجب أن يكونوا خلف القضبان».

دخل الرفاق والرفيقات إلى مجموعة مِن المصارف في الحمرا وأذاعوا بياناتهم ووثّقوها


لم تنته لائحة المصارف التي جرى «غزوها» بالبيانات أمس. كان «بلوم بنك» مِن نصيب فاطمة فؤاد. دخلت ووقفت بين الموظفين والحرس والناس، وراحت تذيع: «حقّقت المصارف في لبنان، على مدى 30 عاماً، أكثر مِن 80 مليار دولار كأرباح على الفوائد. هكذا تضخّم ديننا العام. اليوم هناك 90 مليار دولار في حسابات 1 في المئة مِن المودعين. خلال 3 سنوات حقّقت المصارف كأرباح نحو 12 مليار دولار نتيجة الهندسات المالية التي أجراها مصرف لبنان». كانت فؤاد قد شاركت في صياغة البيان الموحّد سابقاً مع رفيقها بزيع. مصارف أخرى دخلها رفاق ورفيقات في الحمرا وفعلوا الأمر عينه (مروى شحادة، فارس حلبي، ماهر الخشن وشادي وغيرهم). في بنك «بيبلوس» نجحوا في الضغط لمصلحة أحد الزبائن الحاضرين، بالصدفة، فأخذ الحوالة التي كان المصرف يتمنّع عن صرفها له. وثّقوا ذلك بالكاميرا. قصدوا «فرنسبك» أيضاً. داخل الأخير حصل تدافع بينهم وبين الحرّاس. ألصقوا على أبواب المصارف، كلّها، صور المدراء مذيّلة بعبارة: «مطلوب». كان يوماً حافلاً بالمصارف. المجموعة أرادتها وسيلة للتأكيد على أن «الانتفاضة بخير». تحدّث أحدهم عن «البوصلة» الصحيحة. هؤلاء يعرفون أين المشكلة وقد حدّدوا الخصم. كان يوماً «مريحاً» بالنسبة إليهم. كيف ذلك؟ يُفسّرون: «بعد اليوم الماضي، والقلق الذي عشناه ورأينا ما رأينا في الشارع، بادرنا وأنجزنا وشعرنا بالراحة. هكذا ببساطة».
لن يكون مستغرباً إن عرفنا أن بعض هؤلاء الشبّان ليست لديهم حسابات في أيّ مصرف. المسألة ليست شخصيّة. كلّ ما في الأمر أنّهم فهموا ما الذي جرى، ويجري، وكيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه. لم ينسوا في كلامهم القوى السياسيّة الشريكة في هذه اللعبة المصرفيّة. هذا مشهد مِن المشاهد الجديدة، بزخمها وحتّى في مضمونها، التي بتنا نراها بعد 17 تشرين الأول. شباب يتكلّمون لغة الاقتصاد، تلك اللغة التي لطالما نفرنا منها، لجمودها، لطلاسمها، اليوم بات كثيرون يتقنونها إلى حدّ ما. هذا شيء انفجر مع انتفاضة الناس. هذا مِن الأشياء التي غالباً لا تعود إلى الوراء. لقد بات الأمر في مستوى مزاج شعبي عام. إيريك كانتونا كان يُريد ضرب النظام المصرفي في فرنسا عبر سحب الودائع. في لبنان، والشرّ في جوهره واحد، يبدو أنّ الودائع أصلاً في طريقها إلى التبخّر. في الحالتين، النتيجة واحدة: الانهيار.