رغم كل محاولات الإمساك بمفاصل الأزمة المالية، إلا أن الطلب على الدولار لم يهدأ بعد منذ الاسبوع الماضي. وإضافة إلى بقاء سعر العملة الخضراء في «السوق الموازية»، بعد ظهر امس، بين 1560 ليرة و1580 ليرة، فإن المؤشّر الاساسي على عدم انخفاض الطلب هو فائدة الانتربنك، اي فائدة اقتراض المصارف بين بعضها البعض بالليرة اللبنانية وليوم واحد. فخلال الاسبوع الماضي، تجاوزت معدلات هذه الفائدة نحو 60%، ثم عادت إلى الانخفاض يوم السبت إلى 45% مأ أوحى بأن ارتفاع الفائدة وانخفاضها كان مرتبطاً بشكل نسبي بأزمة تمويل استيراد المشتقات النفطية والدواء والقمح، فارتفعت مع المخاوف من إعلان مستوردي النفط إضراباً يؤدي إلى انقطاع مادة حيوية وأساسية في السوق، ثم عادت إلى الانخفاض بعد تبلور الحلّ عبر تعميم يصدره مصرف لبنان لتنظيم هذه العملية. هذا الترابط لم يكن قائماً أمس، بعد يوم على صدور التعميم، وسط ردّة فعل باردة من قبل المستوردين اقتصرت على إصدار بيان يعبّر عن عدم رضاهم على التعميم وعدم شموله الكميات المستوردة في الأشهر السابقة والتي لم تسدّد اعتماداتها بعد. إذ عادت فائدة الانتربنك إلى الارتفاع مجدداً وافتتح السوق صباح أمس بفائدة 40% ثم ارتفعت إلى 50%. التفسير الوحيد لهذا الارتفاع في فائدة الانتربنك هو ارتباطها بشكل وثيق باستحقاقات الودائع بالليرة لدى المصارف، ولجوء المودعين إلى تحويلها إلى الدولار. فالمصارف تحتاج إلى سيولة بالليرة للقيام بعمليات التحويل. وبما أنها توظّف هذه السيولة لدى مصرف لبنان فإنها تضطر إلى الاستدانة من مصارف أخرى لديها سيولة بالليرة اللبنانية بهدف شراء الدولارات تلبية لحاجات زبائنها أو قسم منهم. وارتفاع فائدة الانتربنك ليس أمراً جديداً في وقائع الأزمة اللبنانية اليومية، بل هي ظاهرة بدأت منذ فترة طويلة لتكون مؤشراً أساسياً على وجود طلب كبير على الدولار.

في الإطار عينه، عقد أمس اجتماع عمل في مقرّ غرفة التجارة والصناعة والزراعة في بيروت وجبل لبنان بين الهيئات الاقتصادية برئاسة الوزير محمد شقير وهيئة مكتب الاتحاد العمالي العام برئاسة رئيس الاتحاد بالنيابة حسن فقيه. يظهر هذا الاجتماع، مجدداً، أن الاتحاد العمالي العام وأعضاءه ليسوا سوى أدوات بيد أصحاب العمل «يجرّونهم» إلى الزاوية التي تناسبهم. عنوان الاجتماع هو مناقشة الأزمة الاقتصادية والمالية وارتداداتها على مؤسسات القطاع الخاص وديمومة عمل الموظفين والعمال. وقدّمت قيادة الاتحاد مجموعة رشقات من مطالب بعيدة عن مسألة حماية ديمومة عمل الموظفين والأجراء في ظل الأزمة الحالية، بل أعادوا التذكير بمطالب كرروها على مدى السنوات الماضية عن ضرورة زيادة الأجور وتفعيل المؤسسات الاجتماعية… وسواها من الشعارات التي لم يتحرّك الاتحاد أي خطوة في اتجاهها منذ سنوات. والأسوأ من ذلك، أن البيان الصادر عن اللقاء المشترك تلاه رئيس جمعية تجار بيروت نقولا شماس المعروف بتبنيه أفكاراً نيوليبرالية ومناداته بتقليص الرواتب والأجور في القطاع العام كعلاج للأزمة الحالية. كيف توافق قيادة الاتحاد على أن يتحدث باسمها أصحاب عمل كهؤلاء، بدلاً من أن تكون في مواجهة معهم على كيفية حماية أجور العمال والموظفين من تداعيات الأزمة؟ لا بل وافقت قيادة الاتحاد على أن تقايض، كما ورد في كلمة شماس، بين حق اليد العاملة في العمل وبين مطالبة أصحاب العمل بتحسين ظروف مؤسساتهم ومنع فرض أي ضريبة عليهم رغم تحقيقهم أرباحاً هائلة على مدى 8 سنوات مضت (آخر زيادة في الأجور كانت عام 2012) من دون أي زيادة في الأجور والرواتب؟ وكيف يوافق الاتحاد على بيان يصدر باسمه يتضمن مطالبة السلطة بحزم أمرها «وأن تباشر فورا باتخاذ اجراءات اصلاحية جذرية، في طليعتها خفض حجم القطاع العام»!