لا يقلل رئيس الجمهورية ميشال عون من اهمية التحرك الشعبي المتذمر من التردي المعيشي والنقدي، ويسجل ملاحظات بإزاء ما يحصل وتوقيته. لا يعفي الدوافع السياسية من دورها في محاولة تصعيد حركة الشارع، وتجزئة المسؤوليات الناجمة عن الازمات الاخيرة المتتالية. مع ذلك، يؤكد الرئيس انه استدعى المدعي العام المالي كي يسأله عن مصير بضعة ملفات مشوبة باتهامات وارتكابات شتى، أخصها الفساد، من بينها ملفا الضمان الاجتماعي ومرفأ بيروت. الا انه يستدرك للفور ان جانباً من أسباب التأخر في بت هذه الملفات «بطء القضاء في التحقيق فيها»، لكن ايضاً هناك «حمايات سياسية كبيرة لا تزال تغطيها».

في جانب من الملاحظات التي يبديها رئيس الجمهورية، في معرض تفسيره دوافع التحركات الشعبية الاخيرة ومآلها، اعتقاده الجازم بأن «لها جذوراً خارجية، الا ان ادواتها لبنانية. ونحن اعتدنا دائماً، خصوصاً منذ عام 1975، على جعل الادوات لبنانية في خدمة مخططات خارجية. ليست مفارقة ان المعركة التي تخاض ضدنا تعود الى اكثر من سنتين بهدف النيل، ليس من العملة الوطنية فقط، بل ايضاً من الدولة برمّتها. حينذاك قلت، ولا ازال اقول، ان ثمة ازمات، ويجب التعاون من اجل مواجهتها وليس تثبيط العزائم. اخيراً انتقلوا بالحرب علينا الى الشائعات، رغم اطمئناني الحقيقي الى الاحتياط النقدي في مصرف لبنان.

لن أكون الرئيس الذي يوافق أو تفرض عليه حلول لغير مصلحتنا (دالاتي ونهرا)

رغم ذلك، تحاول الحملات النيل من العملة الوطنية. اعددنا خطة لمواجهة الازمة النقدية، ونسعى الى تخفيف عجز الموازنة من خلال اجراءات اصلاحية، والى خفض عجز ميزان المدفوعات. بيد اننا نُواجه من الخارج والداخل».
يقول عون: «هل ترانا نسينا ما حدث مع بنك انترا في منتصف الستينات؟ كان اقوى المصارف اللبنانية وصاحب اقوى الايداعات، الى ان دمرته الشائعات منذ الشائعة الاولى التي حملت المودعين الكبار والصغار على التشكيك في المصرف. اسرعوا واحداً بعد آخر الى سحب ودائعهم خوفاً، مذعورين من الشائعة، الى ان انهار اقوى المصارف اللبنانية يوم اعلن افلاسه. كأن المقصود بما يجري اليوم استعادة تلك السابقة عبر استخدام الشائعة وبثّها في قلوب الناس، وهو ما شهدناه في الفترة الاخيرة، كأن الليرة على وشك السقوط، بينما الحال ليست كذلك ابداً. ما حصل مع بنك انترا قبلاً كان اولى محاولات اسقاط لبنان من الداخل، بأدوات لبنانية احياناً، الى ان وصلنا الى ما وصلنا اليه في نهاية الستينات، ثم اندلاع الحرب لاحقاً إشعاراً بانهيار الدولة. في الآونة الأخيرة كانت ثمة محاولة مماثلة لاسقاط الدولة اللبنانية من خلال الاقتصاد ومن خلال عملتها الوطنية». وسأل: «هل يريدون اخذنا الى النموذجين القبرصي واليوناني من اجل وضع اليد على لبنان؟ هل من الضروري ان ألفت الى توقيت اندلاع صدمات الشائعات الاخيرة بعدما ألقيت كلمتي في نيويورك؟ أنا اجزم بأن ثمة قوى خارجية تريد الاقتصاص من رئيس جمهورية لبنان ومعاقبته بعد الذي قلته على الملأ امام العالم بأنني لن اقبل باستمرار اللجوء الفلسطيني والنزوح السوري على ما هو عليه اليوم.
فضائح العقود الماضية هي التي تنكشف والحملة المضادة لمنع المساءلة

قلت في نيويورك ان في وسعنا كلبنانيين استنباط حلول لمشكلاتنا هذه التي لا يريد احد مساعدتنا على حلها، بل تركنا نتخبط فيها من دون ان يقدموا معالجات دنيا لها. لم يعد في وسعنا ان نستمر، منذ عام 2011، في تحمّل الكلفة الباهظة للنزوح السوري التي تبلغ سنوياً اربعة مليارات دولار. لمجرد قولي انني قد احاور سوريا اذا أُجبرت على التوصل الى هذا الحل للنزوح السوري، مجرد قول ذلك - وانا لم اجزم بسعيي الى هذا الحوار بل حذرت من اجباري عليه - قاموا بحملة مضادة لاشعال الداخل ومحاولة تقويض اقتصادنا، وأوشكوا ان يضعونا في جهنم من اجل فرض حلولهم علينا. سأبقى ارفض هذه الحلول المناوئة لمصلحتنا، ولن اكون الرئيس الذي يوافق عليها، او يقبل بأن تُفرض عليه».
يسارع رئيس الجمهورية الى القول: «اعرف مقدار متاعبنا ومشكلاتنا وصعوباتها. كلنا نعرف انها ليست ابنة ساعتها، بل متراكمة منذ اكثر من ثلاثة عقود. ثمة مَن لا يزال يتصرّف كما كان يفعل ابان الحقبة السورية. رغم مغادرة السوريين، بين هؤلاء مَن يعتقد ان شيئاً لم يتغيّر ويريد ان يحتفظ بمكاسبه نفسها. منذ مطلع التسعينات ثمة كماشة فساد تطبق على البلد وتخنقه، تماثلها حمايات سياسية كبيرة متشعبة تجعل من المتعذر مواجهتها. من اجل ذلك لا افهم مبرر تحميل رئيس الجمهورية مسؤولية ما يحدث. ثمة سلطة اجرائية موجودة ومسؤولة. الحكومة في حال اقرب الى غياب عن الوعي، لا تعرف سوى ان تخسر الوقت. اعرف ان البلاد تعوم على بحر من الشائعات، لكن ايضاً على بحر من الفضائح. اصبح من الواجب التحرّك سريعاً. بعد الذي سمعناه من لجنة الاتصالات النيابية وسواها اخيراً عن ضلوع ثلاثة وزراء على الاقل في فضائح، بات من الواجب التحرك ومساءلتهم ومساءلة سواهم ممن تحوم من حولهم الشبهات. خلال اسبوع سنسمع كلاماً مهماً في هذا الصدد. أتفهم تذمر اللبنانيين الذين يعرفون أن مال الدولة يُسرق، لكنني أدعوهم الى ان يُسمّوا هؤلاء السارقين وليس توجيه الشبهات اليهم فحسب. يعرفونهم منذ اكثر من 30 سنة ويقولون ان في البلد لصوصاً. انا اراهن على التحرّك الشعبي، لكن في الوجهة الصحيحة بأن يدلوا على المرتكبين والفاسدين، وليس توجيه اتهامهم الى رئيس الدولة وتحميله المسؤولية».

هناك محاولة لاسقاط الدولة من خلال الاقتصاد والعملة الوطنية


يضيف: «عندما نشرنا امس (الاثنين) المواد التي يُعاقَب عليها في قانون العقوبات عند التلاعب بالأمن والاستقرار من خلال التلاعب بالعملة الوطنية وتهديدها، ودعوت في الوقت ذاته النيابات العامة الى التحرّك فوراً، كان ذلك من اجل ان يعرف المحرضون والذين يبثّون الشائعات انهم سيكونون عرضة للملاحقة. هذا العهد هو الاول لعقود طويلة، قبل الحرب وبعدها، يفتح ملف الفساد من جوانبه المختلفة. يكاد يكون العهد الوحيد، من جراء ذلك، يواجه مثل هذه الضراوة من الطبقة المرتكبة لمقاومته ومنعه من استكمال انجاز ملف مكافحة الفساد، وقد خطونا خطوات اساسية في ذلك. لم تعد الفضائح كالماضي تمرّر في السرّ ولا احد يجرؤ على الخوض فيها. الآن باتت فضائح العقود الماضية هي التي تعوم على السطح وتنكشف، ويُكتشف اصحابها ويُمسون تحت الشبهة امام اللبنانيين جميعاً. الخطوات الصعبة التالية هي تمكننا من جبه ضراوة الحملة المضادة التي تمنع مساءلة اولئك».