عندما حمل حقيبته واستقلّ قطار الأنفاق من واشنطن الى نيويورك بدلاً من الطائرة، كان همّ وزير البيئة فادي جريصاتي تقليص انبعاثات ثاني أكسيد الكربون قدر المستطاع. هذا الهدف «النبيل» قد يبدو نكتة في بلادنا التي لا يوجد فيها قطار أو مترو، ولم تنجح يوماً في استحداث خطة نقل عام متكاملة، ولا تملك قطاراً واحداً، أو باصات عامة منظّمة. في نيويورك، أقفل الوزير خطه الهاتفي وتفرغ لمحادثات قمة المناخ التي أكد خلالها الوفد اللبناني التزام لبنان باتفاقية باريس ومساهمته في خفض الانبعاثات. وهذه نكتة أخرى في بلادٍ لا تزال تستورد المازوت الأحمر. لكنها، أيضاً، أهداف «نبيلة» يبدو جريصاتي عازماً على تحقيقها، انطلاقاً من خطته للتخلص من أكياس النايلون، والتي سيعلنها في مؤتمر صحافي، اليوم، مع عدد من أصحاب السوبرماركت، للإعلان عن «تعاون» بين هؤلاء والوزارة لتشجيع استخدام أكياس متعددة الاستعمال بدل أكياس النايلون «غير الصديقة للبيئة».

وفق الخطة، سيدفع المستهلكون في محال «السوبرماركت»، ابتداءً من 15 تشرين الأول الجاري، مئة ليرة لقاء كل كيس نايلون تعبّأ فيه مشترياتهم، في إطار حملة بيئية أعلنها جريصاتي، قبل أسبوعين، للحدّ من استخدام الأكياس البلاستيكية والتشجيع على استخدام أكياس بديلة صديقة للبيئة. حتى الآن، لا يبدو أن أياً من الخبراء، ممّن تواصلت معهم «الأخبار»، على علم بتفاصيل الحملة التي «لا تخرج من دائرة المبادرة»، كما أكد أحدهم، وإذا ما كانت الـ100 ليرة تدخل في خانة «الضريبة» أو لا. بيد أن ما يمكن تأكيده، حتى الآن، أن الحملة تخلو من أي إطار تنظيمي، أو بمعنى أوضح، لا تستند إلى مرسوم وزاري يلزم جميع المحال والمؤسسات، على اختلاف أحجامها، بوقف استعمال أكياس النايلون. وهذا يعني، عملياً، أن حملة الوزير «غير ملزِمة قانوناً»، بحسب تأكيد مصدر في وزارة البيئة لـ«الأخبار»، لافتاً إلى أن هذا الأمر غير ملحوظ في مرسوم الفرز الذي أقرّته الحكومة مطلع أيلول الماضي.
بصرف النظر عن الأهداف النبيلة لهذه الحملة، إلا أنها في الواقع - وحتى لو لم يقصد الوزير ذلك - ليست أكثر من «باب رزق» جديد لأصحاب السوبرماركت المشاركين في الحملة. وبحسب المصدر نفسه في الوزارة، فإن جوهر حملة أكياس البلاستيك مرتبط بـ«مجموعة اتفاقيات أجراها الوزير مع عدد من مؤسسات الفرنشايز الصغيرة والمتوسطة»، تقضي بأن تستفيد هذه الشركات وحدها من عائدات القيمة المالية المفروضة لقاء كل كيس بلاستيك (100 ليرة)، إضافة إلى أرباحها المحصلة من عائدات أكياس القماش البديلة، المصنفة صديقة للبيئة. يعني ذلك، أن ما يفترض أنه «ضريبة إلزامية» يدفعها المستهلك في السوبرماركت الكبير لن تذهب إلى خزينة الدولة، ولا تستفيد من عائداتها وزارة البيئة لاستثمارها في حملات أو نشاطات بيئية أخرى، بل ستذهب أرباحاً صافية لهذه الشركات!

ما يفترض أنه «ضريبة إلزامية» يدفعها المستهلك في السوبرماركت لن تذهب إلى خزينة الدولة


صحيح أن الحملة التي تعدّ الأولى من نوعها على المستوى الوطني، لا يمكن التنكر لرمزيتها ولأهميتها في ضوء المعطيات التي تشير إلى أن معدل استهلاك الفرد من الأكياس البلاستيكية سنوياً في لبنان يتراوح بين 360 و400 كيس، وفق تقديرات غير رسمية ستصدر قريباً عن «مركز حماية الطبيعة» في الجامعة الأميركية في بيروت، بيد أن ما قد ينتج عنها من تغيير إيجابي لناحية خفض هذا المعدل، لا يمكن تعميمه في بلاد لم تخرج جهودها من دائرة المبادرات البلدية المحدودة، على طريقة جبيل وبيت مري، ولم تشهد أي التزام سياسي واسع لتخليص لبنان نهائياً من البلاستيك. وهذا ما يوافق عليه الخبير والاستشاري في علم السموم الكيميائية الصناعية، ناجي قديح، الذي رأى أن خطوة الوزير «خطوة صغيرة في الاتجاه الصحيح». لكنها خطوة «نريدها بمسار ذي قيمة فعلية يؤدي إلى منع استخدام أكياس النايلون، وحتى حظر إنتاجها في الأساس»، لافتاً الى أنه «في فرنسا وسويسرا، يقتطعون ضريبة تعادل دولاراً واحداً عن كل كيس». وعليه، يرى قديح أن البدل المادي، الذي لا يمكن أصلاً تسميته ضريبة، يجب أن يتحدد على الأقل بـ500 ليرة لبنانية على الأقل «لكي يكون إجراء الوزارة فعالاً». أما الإجراء، بشكله الحالي فـ«لا يغيّر شيئاً»، خصوصاً أنه غير مستند إلى مرسوم قانوني يلزم جميع أطراف الإنتاج والبيع والشراء (بدءاً من معامل إنتاج أكياس النايلون وصولاً إلى محال بيع المواد الغذائية والخضار) بضريبة رسمية تتفاوت قيمتها تبعاً لحجم كل طرف وطبيعة مساهمته في استهلاك البلاستيك.



من بريطانيا إلى باكستان: تجارب ناجحة
وفق تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة، فرضت أكثر من 120 دولة، بحلول عام 2019، إطاراً تنظيمياً للحد من إنتاج الأكياس البلاستيكية واستهلاكها، من دون أن يعني ذلك أن الإجراءات الحكومية طُبّقت بنجاحٍ تام في كل الدول. في بريطانيا مثلاً، وخلال عام واحد من تطبيق الضريبة المفروضة على الأكياس البلاستيكية (5 بنس، تعادل 8 سنتات)، انخفض معدل استخدام الأكياس بنحو 85%. ووفق إحصاءات رسمية صدرت عام 2016، فإن عدد أكياس النايلون المبيعة في 7 سوبرماركات كبرى، انخفض من 7 مليارات إلى 500 مليون كيس بلاستيكي في غضون ستة أشهر من تاريخ إقرار الضريبة. نجاح تجربة بريطانيا ينسحب أيضاً على إقليم بنجاب في باكستان، ولو جاء متأخراً. في قرار يطبّق منذ الأول من أيلول الجاري، فرضت مدينة إسلام آباد حظراً تاماً على إنتاج الأكياس البلاستيكية وبيعها، إضافة إلى تغريم كل من يستخدمها نحو 70 دولاراً (ما يعادل راتب شهر كامل لعامل في باكستان).