ها نحن نعيد الكرة، ونعيد لفّ البَكَرة، ونعيد المشاهد ذاتها. ونعيد الضحك والبكاء والعويل. وها نحن نستعدّ لجولة جديدة من لوم بعضنا للبعض الآخر، قبل أن ينهش بعضنا في أجساد البعض الآخر، بحثاً عن أمل مفقود في هذه الجمهورية اللعينة، التي يسرّ بعض أبنائها بأنها مقبلة على احتفال «مئوية لبنان الكبير»... إيه كتير كبير!

ثمة طفل مشاغب، قليل الفهم ومتشاطر يسكن كل واحد فينا. يستمع مرغماً الى تأديب. لكنه ينظر بعين الريبة الى أهل لم يفعل هو أكثر مما فعلوه. ثمّة عاطل عن العمل ولو معه ألف شهادة مدقَّق أو غير مدقَّق فيها. ثمة متطلّب فوق حاجته لا فوق قدرته أصلاً. وثمة مدّعٍ منفوخ الرأس، يعتقد أن الله اعتزل الخلق يوم ولد. ثمة طامح بالأحلام حصراً، غير مستعد للنظر من حوله، وغير راغب بمساءلة نفسه قبل الآخرين. ثمة متشاوف يعتقد أن أزماته ناجمة عن ضرر مقصود تقوم به شعوب العالم غيرة وحسداً. وثمة أنانيّ لا يرى في غير نفسه من تناسبه الحياة الجيدة. ثمة جاهل يعرف بأحوال الدنيا أكثر من أي عالم أو مجتهد أو صاحب اختصاص. وفي نهاية المطاف، ينظر هذا اللبناني الى اللبناني الآخر الواقف الى جانبه، ثم ينظران الى اللبناني الثالث والرابع والخامس الذين يسيرون بالقرب منهما. ولا ينتبه كل هؤلاء اللبنانيين الى أنهم في حقيقة الأمر ليسوا سوى قطيع يسير مطأطأ الرأس، عارفاً أنه في طريقه نحو المسلخ، ينتظره الجزّار نفسه أو من خلفه في قيادة القبيلة.
ها نحن اليوم نراهن على أن فرادتنا سوف تنقذنا. ان العالم لا يقدر أن يعيش من دوننا. ان القوى الكبرى والصغرى والمتوسطة لا يمكنها ان تنام وأصوات اللبنانيين مرتفعة احتجاجاً. ونحن ننتظر، من دون أدنى شك، أن تمطر السماء دولارات فيغرق ديننا العام، دولة وأفراداً. ومن ثم نقلب الصفحة لنبدأ رحلة جديدة من الدجل!
اللبناني الفهلوي، لا تهمّه الذاكرة أبداً. واليوم، يصعب ان تجد أحداً يعيد فلفشة صحف وخطابات العقود العشرة الماضية. الإنكار عند اللبناني يجعله رافضاً التعلم من الدروس. يرفض تحميل نفسه أي جزء من مسؤولية الفشل. والأسهل عنده هو اتهام الآخرين، أيّ آخرين، بأنهم حالوا بيننا وبين النعيم. لا أحد يريد التأكد من أنها السيرة نفسها لشعب بائس وكاره لذاته ولو ظن أنه محبّ لها وللحياة. لا أحد يريد ان يذكره أحد آخر، بنفس صور الطوابير على البنزين والغاز والخبز والمعابر وأبواب السفارات أيضاً. لا أحد يريد مسطرة علمية لقياس عناصر الفشل والنجاح. لا أحد يريد إعطاء علامة جيدة لمن حاول واستطاع، أو منح علامة سيئة لمن جرّب فينا وفشل. لا أحد يريد مغادرة المربعات النفسية والجسدية للحروب الطائفية والمذهبية الآخذة بالتجذر جيلاً بعد جيل.

وسط هذا الجنون، يلجأ أشخاص الى زواياهم الخاصة، ليس أملاً في تغيير قريب، بل هرباً من الملل

حتى الذين قرروا أنهم خارج هذا النادي، فمن منهم يطلق موقفاً من مسألة وطنية أو تربوية أو اقتصادية، صار عرضة للتصنيف بأنه طائفي لكنه يكتم حقده. لا يقبل هذا اللبناني شفاء لبناني آخر من أمراض هذا الشعب العجيب. ولأن العدوى تنتشر مع المرض لا مع الصحة، فسيكون على الطامحين الى التغيير ان يتكيفوا مع وقائع القهر، ويعودوا الى زواياهم الضيقة، وانتظار إشارة الانطلاق من شيخ طريقتهم. وليس بين هؤلاء الشيوخ من هو مستعد للتغيير، ولو كلفه الأمر حياته. وكل ما يمكن ان يحظى به اللبناني هو استبدال الشيخ بشيخ آخر، لكن حذار المسّ بالطريقة.
لم يتغيّر شيء في طبيعة هذا اللبناني. كل ما حصل هو انه دمر ما تبقى من طبيعة وجغرافيا ليس له أي فضل في وجودها أصلاً. وكل ما سوف يحصل الآن وغداً وبعد غد ليس سوى فتح الساحات أمام سجالات ومناحرات، سرعان ما تركب على سكة الطوائف الفالتة من عقالها. تحرق الأخضر واليابس، باعتبارها العادة المفضّلة، والأحب الى قلوب اللبنانيين. ومع جولة العنف الجديدة، سيهرب نصف اللبنانيين الى بلاد الله الواسعة، وحيث يمكن استقبالهم. ومن يبقى، يعيد اللعبة ذاتها، بانتظار أن يأتي منقذ لهذا اللبنان، فيعيده الى قطعة من بلاد الشام، ولن يكون هناك حل غير ذلك. ولو جرّب اللبنانيون حظهم في طوائفهم لمئة عام أخرى.
وسط هذا الجنون، يهرب أشخاص الى زواياهم الخاصة. يمارسون عادات الغيبات الكبرى والصغرى، ليس أملاً في تغيير قريب، بل هرباً من الملل. لم تبق لديهم قدرة على تحمّل هذه الإعادات المستمرة لفيلم رديء...
مرة جديدة: تباً لنا!