كان يمكن لقضية الموقوف عامر الفاخوري ان تكون عادية، تتعلق بتوقيف متهم بالعمالة لاسرائيل لا أكثر ولا أقل. ورغم أن هذه المسألة باتت في يد القضاء، إلا أن التداعيات التي تركها دخول الفاخوري إلى لبنان لا تزال مستمرة، لا سيما أنها كشفت كثيراً من الثغر الأمنية والقانونية التي يفترض بالاجهزة المختصة ان تتولى معالجتها. المسألة لا تزال تتعلق بأسماء مئات المتهمين بالعمالة وجرائم متفرّعة عنها أو قضايا متصلة بها (كعائلات متهمين)، من غير الذين حوكموا وجاهياً، والواجب التحقق من واقعهم وتاريخهم الامني بدقة، بخلاف ما حصل مع الفاخوري. كما كشفت جوانب تتعلق بالاداء السياسي العام، سواء لجهة التيار الوطني الحر كحزب وكحضور سياسي في السلطة، او الجيش اللبناني. والأهم انها تحوّلت مادة خصبة، غطت على القضايا السياسية والاقتصادية، وحتى على قرارات المحكمة الدولية.

لا يختلف اثنان على ان توقيف الفاخوري أربك اكثر من طرف امني وسياسي، لتتعدّى كونها عملية توقيف متهم بارتكاب جرائم ضد المعتقلين في سجن الخيام، وباتت في مكان ما مناسبة لتصفية حسابات سياسية وأمنية، في دوائر سياسية وعسكرية وأمنية وديبلوماسية.
لا تزال الاسئلة التي طرحتها «الأخبار»، منذ كشف القضية وحتى اليوم، من دون اجوبة واضحة. فبدل التركيز على البحث في سبب وجود ملف أمني فارغ للفاخوري، رغم وجود شهود وكمية كبيرة من المعلومات عنه، وشطب اسمه عن البرقية 303، وكيفية دخوله، والتحقيق بكل ما يمتّ الى هذا الملف بصلة، منذ عام 2000 الى اليوم، تحولت الانظار الى بندين حساسين: الاول يتعلق بمقاربة التيار الوطني الحر لملف اللبنانيين في إسرائيل، والثاني يتصل بالجيش كونه معنياً منذ اللحظة الاولى لاعتبارات كثيرة، بدأت مسلكية وباتت في الايام اللاحقة سياسية.
ومقاربة هذين البندين لم تكن على مستوى الحادثة الامنية وتداعياتها. فالسؤال المركزي المطروح هو: لماذا لم تعتمد الشفافية والصراحة في كشف ملابسات كل ما يحيط بملف العملاء الذين شطبت أسماؤهم من البرقية الامنية، وبملف الفاخوري والتفاصيل الامنية الاخرى، بدل ان تعمد قيادة الجيش الى القفز فوق النقطة المركزية، وتشن حملة اعلامية - رئاسية مضادة، واستذكار معركة فجر الجرود وملاحقة الارهابيين وتخوين كل من يسأل سؤالا عن هذه القضية، ودرس امكان ملاحقة الصحافيين الذين فجروا القضية ولاحقوا تفاصيلها؟
يملك الجيش معلومات مفصّلة وواضحة وكافية لرد اي شبهة عن مرحلة عام 2000 وتوقيف آلاف المتهمين والتحقيقات معهم وواقع الذين غادروا الى اسرائيل ومنها الى الخارج، ولديه ملفات كثيرة عن التحقيقات التي اجريت تحت ضغط الواقع آنذاك والمتغيرات السياسية والضغط الشعبي والسياسي. كما يملك حيثيات تتعلق بقرارات المجلس الاعلى للدفاع وبكل ما يحيط بالبرقية المذكورة وتحويل ارهابيين عليها ومحاولات سياسية لشطبهم. ويملك ايضاً معلومات عن الضغط لاقفال ملف العملاء او الفارين إلى فلسطين المحتلة، وصولا إلى قضية الفاخوري المعمّم اسمه لتوقيفه واحالته على التحقيق بناء على البرقية الامنية التي سبق ان نشرتها «الأخبار» (21 أيلول 2019)، والتي تتضمن ذكر التهم الواضحة الموجهة اليه. يملك الجيش الكثير من المعطيات والتواريخ والحقائق والاسماء التي في امكانها أن توضح حقائق امنية وسياسية بدل الابقاء على الغموض والتستر. ولم تُتهم قيادته بأي تهمة، بل جرى التعامل بوضوح مع المعلومات المتعلقة بتسمية احد الضباط المعنيين الذين جرت معاقبتهم مسلكياً. لكن الجيش تصرف على انه متهم سياسياً، وبدأ حملة ترويج لا علاقة لها بجوهر القضية، ووضع نفسه كطرف مستهدف «رئاسيا»، وقدم نفسه للمرة الاولى علانية «مرشحاً رئاسيًا» من دون اي لبس، وهذا امر لا يمكن ان يمر عابرا لدى المرشحين الرئاسيين. وللتذكير، فان ثمة فريقاً سياسياً وعسكرياً استهدَف، ولا يزال، قيادة الجيش السابقة بسبب معركة عرسال. ويمكن، تبعاً لذلك، السؤال: لو كانت القيادة نفسها هي الموجودة اليوم، هل كانت قضية الفاخوري لتمر من دون اي اتهام؟
النقطة الثانية تتعلق بمقاربة التيار الوطني الحر لهذه القضية. واضح منذ اللحظة الاولى حجم الالتباسات حول صور الفاخوري وعلاقاته، كما هو واضح تمييز التيار بين عمالة جرمية وبين «المبعدين» منذ عام 2000. وتبنى التيار هذه القضية قبل ان يكون الرئيس ميشال عون في قصر بعبدا، وهو مستمر في الضغط في هذا الاتجاه قانونياً وسياسياً. ورئيس التيار الوزير جبران باسيل تعهد قبل اكثر من شهر على انفجار قضية الفاخوري، من القليعة - مرجعيون، ببدء مسيرة «عودة المبعدين»، وبتقدم الوزير البرت سرحان بمشروع مرسوم لتطبيق قانون العودة. المشكلة هي في ان قضية الفاخوري أعادت فتح الملف من زاوية مختلفة، لأنها نبشت مجددا الاحقاد والاتهامات والحقائق والاتهامات المغلوطة معا. وهذا موضوع حساس لانه احيى مرحلة عام 2000 بكل حيثياتها. وكل من رافق تلك المرحلة يعرف تماما كيف عولجت مشكلات الايام الاولى، وكيف لعب الرئيس اميل لحود دورا في سحب الكثير من المخاوف وقمع ردات الفعل، ومنع تفلت الامور، ومثله فعل البطريرك الراحل مارنصرالله بطرس صفير. لكن ملاحقة المتهمين بالعمالة أمر مختلف تماما عن ضرورة معالجة ملف اللبنانيين في الأراضي المحتلة. وهذا الامر يعرف باسيل دقّته، كما يدرك ارتداداته، مسيحيا ولبنانيا. وقضية الفاخوري قد تكون عرقلت مساره قليلا، لكنها لن توقفه، لانه يعتبر نفسه الاقدر والاكثر تاهيلاً للسير به من دون تبعات وهواجس تاريخية، ما يؤهله لان يقطف ثمنه سياسيا.ً