كان يُمكن توقيف العميل عامر الفاخوري عند دخوله الأراضي اللبنانيّة، مباشرة ومن غير أن يضطّر أحد إلى إثارة الأمر، ذلك لو أنّ الدولة كانت عدّلت قوانينها وفق الاتفاقيّات والمعاهدات الدوليّة التي وقّعت عليها سابقاً. ما كان لأحد أن يتحدّث عندها عن مرور الزمن (وفق قانون العقوبات اللبناني) على الحكم الصادر بحقّ العميل. هذه خلاصة الندوة التي أقامها «مركز الخيام» أمس، في بيروت، بعنوان «العميل الفاخوري - مقاربة قانونيّة». بالمناسبة، المركز المذكور والمعني بتأهيل ضحايا التعذيب، تأسّس منذ سنوات طوال، ولم يكن اسم «الخيام» الذي حمله إلا لتأكيد رمزيّه التعذيب الفظيع الذي جرى في المعتقل الشهير. كان ذلك قبل عودة الفاخوري الذي سمع كثيرون باسمه حديثاً، لأوّل مرّة، كأحد المسؤولين البارزين في ذلك المعتقل.

في الندوة، تحدّث المحامي حسن بيان عن ثبوت ممارسة الفاخوري لتعذيب الأسرى مباشرة، وأن هناك من مات تحت ذلك التعذيب، وبالتالي هذا يُعدّ «جريمة حرب بحسب ما نصّت عليه المادة 8 من نظام المحكمة الجنائية الدولية، بحيث نصّ البند 2 من هذه المادة على أنه لغرض هذا النظام تعني جرائم الحرب الانتهاكات الجسيمة لاتفاقات جنيف المؤرخة في 12 آب 1949... ومنها التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية». وذكر بيان أن المادة 7 من النظام المذكور اعتبرت أيضاً جرائم ضد الإنسانيّة «إبعاد السكان أو النقل القسري للسكان (...)، التعذيب والأعمال اللاإنسانية التي تتسبب في معاناة شديدة أو في أذى خطير». إذاً، الحديث هنا عن «جرائم حرب» و»جرائم ضدّ الإنسانيّة». هذه المصطلحات التي لطالما كنا نسمعها على ألسن المتحدثين في المحافل الدوليّة، وكانت تقرن بأشخاص أو جماعات أو أنظمة، فيروّج لضربها دوليّاً وكفّ يدها، وبالفعل حصل في أكثر من مكان. وكالعادة، عندما يصل الأمر إلى إسرائيل وعملائها يعمّ الصمت الدولي، إلا قليلاً. أبرز ما ذكره المحامي بيان، أمس، كان إشارته إلى أن الجرائم التي ارتكبها الفاخوري «لا تسقط بتقادم الزمن، وذلك عملاً بأحكام المادة الأولى فقرة «أ» و»ب» من اتفاق عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية الصادر عام 1968».

جرائم الفاخوري لا تسقط بمرور الزمن وفق اتفاق «عدم تقادم جرائم الحرب» الدولي


أين القوانين اللبنانيّة مِن كلّ هذه الاتفاقيات والمعاهدات؟ كيف وافق لبنان عليها ثم لم يدرجها في قوانينه؟ كيف يلزم نفسه شكليّاً بشيء ثم لا يطبّقه عمليّاً، أقلّه في النصوص؟ هذا مألوف أن يحصل في الدول الفاشلة، أو شبه الدول، أو من يُريد أن يقول للعالم إنه دولة فيما هو، واقعاً، ليس كذلك. لبنان لا يفعل هذا لأنّه يُريد مقارعة القوانين الدوليّة، طبعاً، بل لأن من تعاقبوا على السُلطة كانوا مشغولين بقضايا أهم! أستاذ القانون الدولي حسن جوني، تطرّق في الندوة إلى أن النائب السابق أوغست باخوس كان تقدمّ قديماً باقتراح لتعديل القوانين المحليّة وفق القوانين الدوليّة، لكنّ هذا لم يحصل. جوني تحدّث عن موضوع الجنسيّة، وكيف يمكن للعميل الفاخوري أن يكتسبها، الأميركيّة مثلاً، في ظلّ الجرائم المتعلّقة به، والتي لم يكن قد مرّ عليها الزمن حتى وفق القانون اللبناني. ولفت جوني إلى أنّه «بمعزل عن الاتفاقات بين لبنان والولايات المتحدة، فإن القانون الدولي يتضمن مبدأ أساسياً متعلقاً بتعقب مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان واعتقالهم. نذكر هنا: قرار الجمعية العمومية للأمم المتحدة 39/46 عام 1984، والذي يقرّ بضرورة تعاون الدول في تعقّب واعتقال ومعاقبة مرتكبي جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية، وعدم منح الدول حق الملجأ لأي شخص توجد في خصوصه أسباب جدية لارتكابه تلك الجرائم. القاعدة العرفية رقم 161 تقول: تبذل الدول ما في وسعها التعاون لتسهيل محاكمة المشتبه فيهم، وكذلك المادة 8 من معاهدة مناهضة التعذيب 1984».
من جهته، دعا الأمين العام للمركز محمد صفا إلى مقاومة ظاهرة العملاء، على أن «ينخرط فيها كل أحرار الوطن، وإعادة النظر في كل الأحكام السابقة الناعمة في حق العملاء... فلتمطر الشكاوى على النيابة العامة في لبنان وعلى المستوى الدولي. أما سجلات العملاء وخونة الأوطان والجلادين فلا يمكن أن تنظفها بحار الأرض ومحيطاتها».