إنه حقاً «العهد القوي». ويبدو أن الهوس عند جماهير «العهد» (كيف يتجاوز المرء ثقل دم جعل هذه الكلمة اسمَ علم؟) بالقوة وممارسة السلطة والإخضاع يزداد يوماً بعد يوم.

«إنتِ مينك لترفعي عيونك وصوتك وتحكي معنا بالوطنية! نحن أساس لبنان بس تحكي معنا، بتحترمي نفسك. أنا اليوم خارج لبنان بس إرجع سأفحصك (...)». باستثناء بعض الكلمات التي لم نستطع فكّ أحجيتها، يمكننا وضع تغريدة جوزف أبو فاضل (يقولون إنه محلل سياسي) الموجهة إلى سهى بشارة، في سياق مواقفه المقززة الشهيرة. تفوح من الفوقية والعنجهية التي تضمنتهما تغريدة أبو فاضل رائحة الذكورة. والذكورة هنا لا تعني مجرد التمييز ضد المرأة على أساس جنسي، بل هي في الأساس لغة للسلطة، للعبة القوة، لرغبةٍ في إخضاع الآخر.
وأبو فاضل القريب من رئاسة الجمهورية ومن التيار الوطني الحرّ والمتحمس دوماً للدفاع بشراسة عنهما، لم يفوّت مناسبة إلا وعبّر بفخرٍ عن عنصرية وذكورية (سبق أن ردّ قبل أقل من سنة على النائبة بولا يعقوبيان حين لم يجد قولاً أبلغ وأذكى من أنها «مرضعة الكلّ»)، معلناً دوماً أن ذلك مرادف للوطنية بالنسبة إليه. وهو ليس مخطئاً ولا مشتبهاً تماماً في ذلك. صحيحٌ لو أن رجلاً انتقد جبران باسيل لنال نصيبه من الهجوم أيضاً، إذ إن جولة على حساب أبو فاضل على «تويتر» كافية لقراءة عيون الأدب في معاركه اليومية مع منتقدي «العهد». لكن الأكيد أنه كان سيشتمه بأمه أو أخته كما يفعل دوماً، إذ إن داخل رأس أبو فاضل لا يمكن الطعن بشرف الرجل بالطبع.
إلى تغريدة أبو فاضل، شهد اليومان الماضيان حملةً عونية على سهى بشارة إثر انتقادها جبران باسيل على خلفية ملف العميل عامر الفاخوري. بعض التغريدات تضمنت تلميحات جنسية استهدفت جسد بشارة، وبعضها مثل تغريدة أبو فاضل انطوت على فوقية وأبوية لا تشذّ أيضاً عن الخطاب الرسمي لـ«العهد» (ألم يكن الشعار الأول «بيّ الكل»؟).
لا يحتمل جمهور «العهد القوي» سهى بشارة ورمزيتها. فتاةٌ في الواحدة والعشرين من أقصى الجنوب خرجت لتقاوم الاحتلال. حافظت سهى، على الرغم من أن عمليتها جرت بتنظيم حزبي، على صورة فردية في الذاكرة الجمعية اللبنانية. وها هي اليوم، من دون جهة أو جهاز أو مؤسسة أو حتى حزب «يقودها»، تسائل وتنتقد وتسأل السلطة عن ملابسات إدخال عميلٍ إلى البلد. ليست سهى زوجة أحد، ولا شقيقة ولا ابنة (ولا كنّة) أحد «قوي». ولم تخرج إلى المجال العام على أكتاف رجل «قوي». ربّما صلة القرابة الوحيدة التي لعبت لها دوراً في مسيرتها، كانت قرابتها بالشهيدة لولا عبود، ابنة عمتها، التي اتخذت جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية من اسمها عنواناً للمجموعة التي تبنت محاولة اغتيال أنطوان لحد (7/11/1988). هذا كله غريب بالنسبة إلى الجمهور العوني. ما تمثله سهى هو النقيض التام لفكرة «العهد». فردٌ، امرأة، يسارية، فقيرة، من خارج حظائر الطوائف تمكّنت من إنجاز شيء بهذا الحجم. وبعد سنواتٍ طويلة على عمليتها وتحريرها، لا يزال صوتها عالياً ومؤثراً. كيف يمكن أن تكون ذات شأنٍ وشعبية من دون أن تكون منحدرة من عائلةٍ أو مرتبطة بمصالح عائلية؟ كيف تجرؤ على امتلاك امتيازات كهذه من خارج «المؤسسة»؟ كيف يمكنها أن تكون مؤثرة وهي لا تنتمي إلى طائفة ولا تستفيد من زبائنيتها؟
منذ اليوم الأول على تسلُّم ميشال عون رئاسة الجمهورية، كشف التيار الوطني الحر وجمهوره عن فيتشية القوة في أدائهم. لا ينفصل «التيار» وقاعدته الجماهيرية في ذلك عن سمات وسلوكيات التيارات اليمينية والشعبوية في العالم. شهدنا في السنوات الماضية مع صعود هذه التيارات، ممارسات كوّنت صورة شبه متكاملة لخصائصها. ترامب، بولسونارو، السيسي، مؤيدو «بركسيت»، وغيرهم. تبنّي خطاب التجهيل والترويج له، تجاهل الوقائع لمصلحة الرأي في زمنٍ بات يُسمى عصر «ما بعد الحقيقة» حيث تطغى النزعة الشعبوية على العلم وتريد سحب الشرعية منه، العنصرية والشوفينية، الريفية بوجهها السيّئ، وغيرها. في صدارة كل ذلك، تحجز الذكورية، بأكثر أشكالها سمّاً وخطورةً، تلك المجاهرة بكراهيتها للنساء وللمثليين وكل من يخترق الصورة التقليدية لـ«الرجولة»، مكانتها في شخصية اليمين المتطرف.
في أيلول 2016 عشية الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة، ظهر دونالد ترامب في برنامج «Dr Oz»، حيث فُحصَت نسبة التيستوستيرون (هرمون الذكورة) لديه، قبل أن يصفق الجمهور مبتهجاً حين تبيّن أنها سجلت نسبة 441. إنها متلازمة «الوطنية» والذكورة. كُتب كثيراً بعد وصول ترامب إلى الرئاسة عن كون شعار «جعل أميركا عظيمة مجدداً» ينطوي على شوقٍ إلى إحياء صورة لذكورةٍ هددها في السنوات الأخيرة هيمنة الخطاب الحقوقي ومناخ الصوابية السياسية في العالم. أراد «رجال الهامش»، المجروحون في ذكورتهم بسبب الأزمات الاقتصادية وبقائهم خارج النخب المدينية الوصول أخيراً إلى «المؤسسة» والاستفادة من امتيازاتها. بات اليسار، النساء، المثليون، اللاجئون، أو أي طرح لفكرة جديدة حول الذكورة، تهدد اليمين عموماً بـ«الخصي» بالمعنى الرمزي.
على الطريق نفسه، بنى «العهد القوي» خطابه الوطني من نظريات التفوق الجيني، الذكورية والأبوية، كراهية الأجانب وغيرها من سمات اليمين المتطرف في العالم. فصرت كلما عبّرت عن عنجهية ممزوجة بالميزوجينية (كره النساء)، الهوموفوبيا والميل إلى العنف، والهيام بمظاهر الاستبداد، كنت «وطنياً» أكثر. ليس أبو فاضل وحيداً في ذلك بالطبع، لكنه نموذجٌ معبّر جداً عمّن يحكمنا. هذا هو «العهد»، وجوزيف أبو فاضل هو صورته. فهنيئاً لنا ولكم.