كان الموعد استثنائيّاً، أمام صيدليّة بسترس في بيروت، في ذكرى ولادة «جبهة المقاومة الوطنيّة اللبنانيّة». الجمهور أكثره من الشباب والشابات الملوّحين بالرايات الحمر، وأعلام «جمّول»، ويافطات تندد بالعملاء، وتطالب بمحاسبة «جزّار الخيام». احتشد هؤلاء بكثافة هذا العام. كأنّهم يعيدون تأكيد الثوابت في مواجهة محاولات تكريس الخيانة كوجهة نظر. عبر مكبرات الصوت انبعثت كلمات محمد العبد الله التي حوّلها مارسيل خليفة نشيداً: «من هنا تبدأ الخارطة والكلمات»، لتبدو ردّاً مباشراً على الراهن البائس والمشبوه، منذ انفجار فضيحة العميل المهرّب، وقد دعا حنا غريب يوم الأحد، من «معتقل الخيام»، إلى محاكمة شعبية له ولأقرانه! هل سيأتي يوم، نحتاج مجدداً إلى مسدس سهى بشارة التي تطاول عليها قبل أيّام بعض «الانعزاليين الجدد» «الجالسين معنا في الخندق»، ممن لا يعرفون هذا التاريخ العريق؟

حجّ الجميع مساء أمس إلى «بسترس»، المكان الذي انطلقت منه العمليّة الأولى للجبهة - بقنبلتين يدويّتين - ضد الجنود الصهاينة في بيروت. كان ذلك قبل 37 عاماً، في اليوم التالي لدخولهم أول عاصمة عربيّة منذ القدس، حيث لن يصمدوا أكثر من عشرة أيّام. ثم انطلقت مسيرة المشاعل أوّل الدغشة، على وقع الطبول، تلبية لنداء الحزب الشيوعي اللبناني، في اتجاه «محطة أيّوب»، مسرح العملية الثانية، حيث أحرق المقاومون، لاحقاً، ملالتين اسرائيليتين بمن فيهما. إنّه أيلول المبارك! بعدها سيطلق خالد علوان النار على ضابط وجنديين من جيش العدو في مقهى «الويمبي» القريب في الحمرا. وستكرّ العمليّات التي قد تبدو «بدائيّة» وعفويّة في زمن الطائرات المسيّرة، في حين أنّها بطوليّة ورهيبة بتعبيرها عن الصحوة الوطنيّة والعزّة القوميّة، وقدرة العزيمة الشعبيّة على إذلال المحتلّ وطرده من بيروت… ثم ملاحقته لسنوات مضنية في أرض الجنوب.
صحيح أننا كل سنة نستذكر تلك اللحظات الأسطوريّة لانطلاق المقاومة، ونستعيد، واحدة واحدة، العمليّات التي حملت الاسرائيليين على الفرار، وهم يستجدون أهل المدينة: «نحن خارجون، لا تطلقوا النار»… لكن الذكرى هذا العام لها معنى آخر، ولبنان الرسمي يشرب الأنخاب على متن «مدمّرة» أميركيّة، جاءت تعلن «نياتها الحسنة» تجاهنا، وتعطينا شهادات حسن سلوك. سابقتها «نيوجرسي» قبل 37 عاماً قصفت الجبل، ثم انهزمت خائبة مع المارينز. فما الذي تغيّر في سياسات أميركا، حاضنة الأفعوان الاسرائيلي، كي نزحف جحافلَ طالبين الرضى من قائد الأسطول الخامس لجيشها الذي يذل ويقتل شعوبنا، ويستبيح العالم باسم مصالحه الاستعماريّة؟ هناك من لا يستطيع أن يرى بيروت إلا من على متن «مدمرة» أميركية، وهناك من يراها من شاطئ خلدة بعيني عماد مغنيّة…
«لبنان الرسمي» المهرول إلى المدمّرة «دامدج»، هو نفسه الذي يتخبّط بفضيحة العميل عامر الفاخوري، محاولاً أن يحفظ ماء الوجه، بسلسلة تضليلات وألغاز وتعتيمات، كمهرّج حزين يختبئ خلف ظلّه! لقد انكشف أمام الرأي العام، فجأة، هول المشهد… بعد سنوات من كي الوعي، والتعقيم الممنهج للذاكرة الجماعيّة، وتحويل العملاء والفارّين إلى كيان العدوّ، «مبعدين، مظلومين، حان وقت عودتهم إلى أحضان الوطن». خطبة انتخابيّة من هنا لزعيم سياسي طموح، وعظة مربكة من هناك لمرجع روحي رفيع ارتكب خطأ زيارة الكيان الغاصب… وإذا بنا نكتشف بذهول سلسلة من القرارات والمبادرات التي اشتغلت بصمت على غسل العملاء وشطبهم من سجلات العار. وها هي شبهات فظيعة تحوم حول زعامات ومقامات ومسؤولين في السلطة...
إن العميل الذي تصوّر معه الجميع ولا يعرفه أحد، عملت أيد خفيّة على تنظيم تهريبه إلى لبنان لتنفيذ «مهمات وطنيّة» جديدة. هل سنعرفهم جميعاً، أم سنكتفي بكبش محرقة؟ لا شك أن المناورات قائمة الآن لتهريبه في الاتجاه المعاكس، كرمى لعيني «المدمّرة» إيّاها… جزّار الخيام ليس عميلاً عادياً، بين خونة آخرين تآمروا مع العدو، واشتغلوا عنده سجانين وقتلة و«غوييم شبات»، وهناك في الدولة من يريد أن يبيّض سجلاتهم. إنّه عرقوب أخيل الجمهوريّة المتهالكة: فضيحة ظهوره في حياتنا تسلط الضوء على كل عاهات هذا النظام الطائفي، وتشوّهاته ودناءاته وأكاذيبه وعصبيّاته. عامر الفاخوري هو عورة الجمهورية البلا ذاكرة، عورة بات من الصعب سترها بعد اليوم.