لم تكن المواقف التي أطلقها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله في يوم عاشوراء من الجمهورية الاسلامية في ايران، وفي وصف مرشد الثورة الإيرانية السيد علي الخامنئي بـ«حسين زماننا»، وليدة ظروف طارئة أو مرتبطة بمناسبة احياء ذكرى ثورة كربلاء. وانما كانت المناسبة الاكثر ملاءمة للتعبير عن مضمون هذا الموقف، في ظل الظروف المستجدة التي أملت إظهاره بشكل صريح ومدروس. ولمن أراد أن يبلور رؤية دقيقة عن المدى الذي يمكن أن يبلغه حزب الله في مواجهة أي تهديد جدي للجمهورية الاسلامية في ايران ولمحور المقاومة، أن يفكر ملياً ماذا يعني أن يصف نصر الله الامام الخامنئي بـ«حسين زماننا»، وأن يجاهر بهذا الموقف في ذروة الضغوط الاميركية على ايران.

التحدي الذي مثَّله موقف نصر الله بالنسبة للبعض أن توصيفه للمعركة التي تشهدها المنطقة أكد على حقيقة أن نتائج خيار أي جماعة في أي من الساحات لن يصب في هذه المرحلة التاريخية إلا في مصلحة أحد المعسكرين: اما معسكر المقاومة أو المعسكر الاميركي، بمن فيهم أولئك الذين يتظللون بالحياد ليخفوا حقيقة مواقفهم والمعسكر الذي يتموضعون فيه.
لذلك، لم يكن تناول نصر الله لمسألة الحياد عرضياً في الكلمة التي ألقاها، بل كان موقفاً مدروساً وصريحا وحاسما، خصوصاً حين قال: «لسنا على الحياد ولن نكون على الحياد». إذ عبّر، من جهة، عن موقف ثابت لدى حزب الله لا علاقة له بالسياق السياسي الظرفي، بمعنى أنه وفق المنطلقات الفكرية للحزب، لا مكان للحياد «في معركة الحق والباطل وفي معركة الحسين ويزيد». ومن الواضح أن نصرالله تعمَّد تبديد أي ضبابية لدى أي جهات اقليمية أو دولية، حول امكانية أن يبلور حزب الله موقفاً حياديا في ظل احتدام الصراع على مستوى المنطقة، مؤكدا بذلك أن حزب الله جزء أساسي من أي مواجهة مهما كانت ضراوتها ونتائجها وتداعياتها. وبلغة تصاعدية توجه الى العالم بالقول «إن إمامنا وحسيننا في هذا الزمان هو الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي». ويمكن إطلاق العنان للخيال حول المدى الذي يمكن أن يبلغه حزب االله في الدفاع عن الجمهورية الاسلامية التي تشكل بحسب نصر الله «قلب المحور ومركزه الأساسي...».
في السياق نفسه، يبدو أن الأمين العام لحزب الله هدف ايضا الى تبديد أي رهانات لدى صناع القرار في واشنطن وتل ابيب على إمكان نجاح مخططهم في تطويق ايران للاستفراد بها وسلبها عناصر القوة الاقليمية التي يمثل حزب الله أبرزها. وهو ما جاهر به بالتوجه الى «كل الذين يراهنون أن نخرج من هذا المحور، نقول لهم هيهات منا الذلة». ثم توجه الى الامام الخامنئي مبايعا، على أن يخوض المواجهة معه الى اقصى المديات التي يمكن أن تبلغها (ما تركناك يا بن الحسين). وهو بذلك يعبر عن عقيدة راسخة لدى حزب الله بأن الدفاع عن ايران يمثل «خياراً كربلائياً» في هذه المرحلة. ومن هنا تتضح أبعاد تعمّده تظهير الاقتداء بأصحاب الامام الحسين في كربلاء، في مخاطبة الامام الخامنئي «أنبقى بعدك؟». وهي نقطة أساسية يكفي التوقف عندها لحسم الأجوبة على كثير من الاسئلة المتصلة بخيارات قد تكون موضع دراسة لدى أعداء محور المقاومة.
في قراءة للعديد من المحطات السابقة، يلاحظ أن الاسرائيلي ومعه الاميركي وقعا في خطأ الرهان والتقدير ما دفعهم الى خيارات فاشلة، نتيجة عدم فهم الرؤية التي ينظر من خلالها حزب الله الى التحديات التي يواجهها. وثبت بالممارسة عدم فهمهم الدقيق للمنطق الذي يوجه الحزب في مواقفه وخياراته. ولأن تكاليف أي تقدير ورهان خاطئ ستدفعها كافة الاطراف، تأتي مواقف نصرالله الصريحة، على أمل أن تساهم في تجنيب المنطقة رهانات واشنطن الخاطئة.
ثمة شبهة قد تقدح في أذهان البعض نتيجة فهم خاطئ للمدرسة الفكرية التي ينتمي اليها حزب الله، عندما يقدم خياراته على أنها خيارات كربلائية. وهو مفهوم له رسائله السياسية والاستراتيجية ايضا. قد يتبادر الى اذهان البعض أنه عندما يشبّه حزب الله معركة ما على أنها كربلائية، أنه يرى بأنها ستؤدي بالضرورة الى استشهاد جماعي. وقد يوهم هذا الفهم الخاطئ بأن الحزب سيخوض هذه المعركة مع علمه بأنها ستكون خاسرة عسكرياً. والواقع أن المنطق الحسيني، وفق مدرسة حزب الله، يعني الاستعداد للقيام بالتكليف والمهمة المطلوبة مهما كانت الاثمان، ما دامت الاهداف تتطلب هذا المستوى من التضحيات.
في المقابل، أظهر حزب الله بشكل لا لبس فيه أنه عازم على تأدية ما يراه تكليفاً له والقيام بالمهمة المطلوبة انطلاقا من أن مستقبل شعوب المنطقة، وفي عقيدته ايضا مستقبل حركة الاسلام، مرتبطان بنتائج هذه المعركة. لذلك سيخوضها حتى النهاية مهما كانت التضحيات. لكن مع قناعة راسخة بأن قطاعا واسعا من شعوب المنطقة سينصر المقاومة وستمتد المعركة من البحر المتوسط الى الخليج وقد تشمل دولا وساحات لم تكن بالحسبان. وانطلاقا من هذه الرؤية، توجه نصرالله الى المراهنين على هذه المعركة المفترضة بأنها ستشكل نهاية محور المقاومة قائلاً: «هذه الحرب المفترضة ستشكل نهاية إسرائيل وستشكل نهاية الهيمنة والوجود الأميركي في منطقتنا».
في ضوء ما تقدم، يمكن الرهان على أن تل أبيب وواشنطن، أصبحتا (أو ستصبحان) أكثر ادراكا للتداعيات التي يمكن أن تترتب على قرار حزب الله - بما يختزنه من استعداد للتضحية، وشجاعة تفعيل القدرات المتطورة والهائلة التي ستهدد واقع الكيان الاسرائيلي ومستقبله - الذهاب حتى النهاية في مواجهة أي تهديد جدي للجمهورية الاسلامية في ايران.