لم تفلح خطة قيادة المنطقة الشمالية بإخفاء الأهداف «الحقيقية» عن المقاومين الذين كانوا يترصّدون تحركات العدو «النادرة»، من نقاط المراقبة البرية وعبر الطائرات المسيرة. ورغم التزام تشكيلات جيش العدو المنتشرة في المنطقة الشمالية بأوامر قيادة المنطقة إخلاء المواقع على طول الحافة الحدودية مع لبنان، وتجميد الدوريات الروتينية والتفقدية، حتى عند ورود إنذارات من السياج الحدودي؛ تمكّنت المقاومة من انتخاب منطقة العمليات المناسبة، وانتظار الهدف حتى وصوله الى نقطة الاستهداف على الطريق (899)، الواصل بين مستوطنتي أفيفيم وييرؤون، والذي يعتبر طريقاً خلفياً محمياً لا تظهر منه للجهة اللبنانية إلا مساحة قصيرة لا تسمح باستهداف «سهل» ومريح.

قرابة الرابعة عصر الأحد، كانت الآلية العسكرية الإسرائيلية من طراز «وولف» متعددة الإستعمالات، تقطع الطريق 899 بسرعة متوسطة، قادمة من الجهة الشرقية لمستوطنة أفيفيم، وتحديداً من جهة مستوطنة المالكية لتجتاز الطريق الخلفية هبوطاً خلف أفيفيم، ثم انعطافاً عند المنطقة المعروفة بـ«مغاير صلحا»، وصعوداً نحو الطريق المحاذي لمستوطنة ييرؤون، وهناك كانت نقطة المقتل. في المقطع الذي نشره الإعلام الحربي، أمس، تظهر الآلية العسكرية متجهة صعوداً، بسرعة متوسطة. وقبل أن تنعطف وتتوارى خلف المنطقة الحرجية في ييرؤون، أطلق المقاومون صاروخاً مضاداً للدروع من طراز «كورنيت» الروسي (مداه يصل الى 5500 متر) نحو الهدف، من المربض الأول، تبعه صاروخ من مربض آخر، ليتجه الصاروخان نحو هدفهما وينفجران تتالياً.


في التفاصيل العسكرية للعملية، بدا لافتاً أن المسافة المكشوفة من الطريق، بالنسبة الى الجهة اللبنانية، لا تتجاوز 300 متر، وهي مسافة قصيرة بالنسبة لرامي صاروخ «كورنيت»، إذ أن آلية العدو المستهدَفة كانت تتجاوز نطاق الاستهداف بسرعة، ما يجعل تسديد الصاروخ وإطلاقه، ثم متابعة توجيهه نحو الهدف، مهمة صعبة تحتاج الى رماة متمرّسين، خصوصاً اذا ما لحَظنا المسافة التي قطعها الصاروخ، والتي قاربت 4 كم (مسافة طويلة نسبياً) بحسب المعطيات التي نشرها الإعلام الحربي. الى ذلك، وبحسب زاوية الرماية التي ظهرت في الفيديو الذي حلّله إعلام العدو مباشرة، خلص المحلّلون العسكريون الإسرائيليون الى أن نقطة انطلاق الصاروخ الذي ظهر مكان انطلاقه في الفيديو، هو من مكان بين الأشجار في أعلى «جبل الباط» المقابل في بلدة عيترون المحاذية لمارون الراس. ورغم أن الجبل محاذٍ للحدود تماماً، ويقع تحت أعين العدو بشكل دائم، إلا أنه لم يتمكن من اكتشاف المقاومين الذين انتشروا عليه، وجهزوا للعملية، ونفذوها ثم انسحبوا، من دون أن يصاب أحدهم ولو بـ«خدش»، رغم الرمايات المدفعية الكثيفة التي أطلقها العدو نحو مناطق محيطة، والتي لم تصب سوى مناطق حدودية مفتوحة، كان يخشى العدو أن يتقدم مقاومون عبرها نحو المنطقة الحدودية المقابلة التي كان قد أخلاها مسبقاً.
كشفت عملية الرد ضعف تحصينات العدو وهندساته الدفاعية، وعقم خططه التي كثّفها في السنوات الماضية، بهدف تطمين سكان المستوطنات الحدودية ورفع معنويات جنوده على امتداد الجبهة الشمالية. من يشاهد كيف أُخليت، بطريقة غريبة، قاعدة أفيفيم العسكرية الحدودية، مقر قيادة قوات اللواء الغربي (برعام) المسؤول عن حماية الجهة الغربية ضمن منطقة مسؤولية فرقة الجليل (91) المنتشرة في كامل الجليل المحتل، والتي تمتد منطقة مسؤوليته وحيداً على ما يقارب 20 كم من الخط الحدودي، لا يصدق أن هذا اللواء نفسه، الذي شوهد جنوده يختبئون بين المنازل في المستوطنة، كان بداية هذا العام قد أعلن عن تشكيل كتيبة احتياط جديدة، سميت «أبواب النار»، بهدف الدفاع عن المنطقة الحدودية مقابل «خطر اقتحام مقاتلي حزب الله الجليل». يومها، وقف قائد لواء برعام، الكولونيل روي ليفي، خلال حفل تشكيل الكتيبة الجديدة، ليقول لجنوده إن مهمة الكتيبة «تتمثل أولاً في الدفاع عن المجتمعات والمواقع العسكرية الأقرب إلى الحدود (...) ثم بمجرد أن يتم تأمين هذه المواقع، يُفترض بالوحدة شن الهجوم على حزب الله داخل لبنان». ربما لم تكن هذه المرة الفرصة مؤاتية لتطبيق الخطة، ولو بالمهمة الأولى، ولاختبار قدرات الكتيبة الجديدة. لم يحتاجوا المواجهة. لا لشيء، سوى لأنهم قد هربوا فعلاً، تاركين المستوطنين لمصيرهم، قبل أن تبدأ أي معركة.