بالرغم من قرار سابق لمجلس شورى الدولة، يبدو محافظ بيروت القاضي زياد شبيب مصراً على إمرار هدم المباني التراثية القائمة على العقار 1231 في الأشرفية. المحافظ اتّخذ قراره بالهدم بحسب معلومات «الأخبار»، معطياً توجيهاته لشرطة البلدية، ما استوجب تحرّك وزارة الثقافة. الأخيرة بعثت أول من أمس، بكتاب إلى شبيب تبلغه فيه «ضرورة وقف الهدم في العقار»، ليردّ شبيب أمس، بجواب يصرّ فيه على أنه يملك رخصة بالهدم ولديه قرار سابق بشأنه. الوزارة عاودت الردّ وأرسلت كتاباً آخر أمس، تأكيداً منها وإصراراً على وجوب عدم الهدم.

وزير الثقافة محمد داود لم ينفِ في اتصال مع «الأخبار» المعلومات الواردة، وقال إنه «مستعدّ لإصدار قرار جديد بإعادة العقار إلى لائحة الجرد العام للأبنية التاريخيّة وذلك في حال تبيّنا نيّة بالإصرار على الهدم». أضاف «علمنا أن ثمة نيّة لهدم المباني، لذلك تحرّكنا ووضعناها تحت رقابتنا وأرسلنا لجنة لتقصّي أي تحرّك لهدمها»، مؤكّداً وقوفه «ضدّ هدم مباني العقار ومع حمايتها».
النزاع بشأن العقار 1231 ــــ الأشرفية، يعود إلى سنوات خلت... حين أبدت الجهة المالكة للأبنية نيّتها بهدمها بهدف تشييد أبنية جديدة، ولم تنجح حينها في الحصول على موافقة وزارة الثقافة. ثم عاود المالكون الكرّة بتقدمهم بالطعن بقرار الوزارة أمام مجلس شورى الدولة، ونجحوا في الحصول على قرار منه بإبطال «قرار عدم الهدم». على الأثر، أصدر وزير الثقافة حينها روني عريجي قراراً (رقم 116/ 2016) لحماية العقار 1231 من منطقة الأشرفية العقارية، قضى بوضعه على لائحة الجرد العام للأبنية التاريخية، مانعاً «أي عمل من شأنه تغيير الوضع الحالي على العقار من دون الموافقة المسبقة للمديرية العامة للآثار». مالكو العقار عادوا وتقدّموا بطلب من الدائرة الفنية في مصلحة الهندسة في بلدية بيروت بالكشف على العقار، فصدر في 13 آذار 2018 قرار عن شبيب ألزم المالكين بترميم الأبنية بسبب التشقّقات والتصدّعات فيها، من دون الإشارة إلى أي خطر في انهيارها. بعد ذلك، صدر قرار عن وزير الثقافة السابق غطاس خوري الرقم 38/ 2018، بالرجوع عن قرار سلفه (عريجي) قضى بشطب إِشارة القرار المذكور عن صحيفة العقار وإخراجه من لائحة الجرد. وتبعه قرار لشبيب (تاريخ 4/6/2018، الرقم 1477) تضمّن وقف أعمال الهدم في العقار المذكور «منعاً لإحداث ضرر لا يمكن التعويض عنه». بعد يومين من قرار شبيب، خرج خوري وأوضح أن «محافظ بيروت وجّه العام الماضي كتاباً رقمه 22017 مرفقاً بتقرير خبيرين، يفيد بأن الأبنية المشادة على العقار مهددة بالسقوط، الأمر الذي أيّدته الدائرة الفنية المختصة في الوزارة. وتمّ إبلاغ مالكي العقار بضرورة ترميمه، ليأتي ردّهم أوائل العام الجاري (2019) بتعذّر الترميم، طالبين من الوزارة إمّا استملاكه أو الموافقة على هدمه»، وقال خوري حينها إن وزارته لا تنوي الاستملاك لعدم توافر أسبابه وإنه يوافق للمالكين على هدم المباني شرط المحافظة على الواجهة الأساسية، وخاصة الشرفات وتقديم خرائط مفصّلة بعمليّة التشييد. وافق شبيب حينها على الهدم، شرط التقيد بطلب الوزارة، ثم عاد وأوقف الأعمال (قراره رقم 1477) بعدما تبيّن عدم تقيّد أصحاب العقار بشروط الهدم.
توازياً، تعرّض قرار خوري (إبطال قرار عريجي وإخراج العقار عن لائحة الجرد) للطعن أمام مجلس شورى الدولة (المراجعة الرقم 22883/ 2018) في أيلول 2018، من قبل «جمعيّة تشجيع حماية المناظر والمواقع الطبيعية والأبنية القديمة في لبنان» ( A.P.S.A.D)، وجاء القرار الإعدادي للشورى (الرقم 547/ 2017-2018) بقبول الطعن و«وقف تنفيذ القرار المطعون فيه». وبذلك أبطل مجلس الشورى قرار خوري، ليعود قرار عريجي إلى سريانه، ويعود العقار إلى لائحة الجرد، ما يعني عدم الحاجة إلى قرار جديد من داود.
غير أن حركة المحافظ الأخيرة، بيّنت قفزه فوق القرارين في ردّه أمس على وزارة الثقافة، مؤكداً بجوابه التمسّك بقرار سابق له بالموافقة على الهدم، متغاضياً عن كل المعطيات الآنفة الذكر التي أوصلته يومها إلى إيقاف الهدم. فما الذي تغيّر؟ علماً بأن المحافظ كان قد تسلّم (بتاريخ 16 تشرين الثاني 2018) من جمعيّة «التجمّع للحفاظ على التراث اللبناني» (طالبة التدخل لدى مجلس الشورى)، كتاباً بأخذ العلم بقرار الشورى... ما يعني أن لا حجّة لديه للتغاضي عن قرار الشورى.