خلال مراسم دفن الرئيس السابق للحزب السوري القومي الاجتماعي، الأمين جبران عريجي، أخطأ الكاهن وهو يُرحّب بالرسميين، فألصق صفة «رئيس الحزب القومي» برئيس المجلس الأعلى، النائب أسعد حردان، قبل أن يتم استدراك الهفوة، وإعادة الترحيب برئيس الحزب حنا الناشف. قد لا يُشكّل هذا «التفصيل» قيمة كبيرة في الحياة الحزبية، إلا أنّه مؤشر بسيط على ما هو مُترسخ لدى قسم من الرأي العام، نتيجة عوامل عدّة: حردان هو «الرئيس». يتوافق ذلك، مع اعتبار قسمٍ من القوميين أنّ الناشف، منذ انتخابه في الـ 2017، لم يتمكن من تكوين شخصية رئاسية مستقلة، تفرض رؤيتها بعيداً عن جلباب رئيس المجلس الأعلى.

«تمايز» الناشف بدأ قبل قرابة السنة، حين برزت التناقضات في التوجهات الحزبية بينه وبين حردان، وصولاً إلى تخيير الرئيس بين الاستقالة أو الإقالة («الأخبار»، عدد 20 حزيران)، وتفضيله الخيار الثاني. حُدّد السبت 6 تموز، تاريخ انتخاب خلف الناشف، ليكون الحزب القومي بذلك أمام انتخابات رئاسية للمرة الرابعة خلال ولاية رئاسية واحدة، علماً بأنّ الناشف كان يُكرّر أمام من يلتقيه، أنّه مُصرّ على إكمال ولايته حتى اليوم الأخير. ولكن، «أصبح هناك خلاف في وجهات النظر مع المجلس الأعلى»، يقول الناشف لـ«الأخبار». هل تقصد مع حردان؟ «لا أتعامل مع أسماء، بل مع مؤسسات، كما ينص نظام حزبنا». الاختلاف وقع حول «اعتبار المجلس الأعلى أنّني لم أُنفذ قرارات الحزب، وسياسته التي يضعها الرئيس ويوافق عليها المجلس، في حين أنّني أرى أننا نفذنا كلّ الخطة». يعتبر الناشف أنّه، واستناداً إلى إمكانيات الحزب البشرية والمادية، لم يكن بالإمكان القيام بأكثر من ذلك على صعيد النشاط السياسي القومي، «وكنا كحزب سياسي، الأفضل في العلاقات الدبلوماسية، في لبنان والشام. عميد الخارجية التقى 70 سفيراً، وكان له دور بتقديم إحدى الدول المساعدات الإنسانية داخل سوريا». ربما انتقادات المجلس الأعلى تأتي من واقع أنّ الوضع الحزبي والسياسي تراجع خلال عهدك، «لا بالعكس، فظروف الحزب والخلافات داخل المجلس الأعلى خلقت عدم استقرار، ما أثّر على العمل». ما يتحدث عنه الناشف، لم يكن السبب المباشر للاستقالة، «بل تمسكي بعدم تغيير كلّ أعضاء مجلس العمد، لأنّ من عمل على تنفيذ سياسة الحزب، لا يُكافأ باستبداله. أما المجلس الأعلى، فكان يريد تغيير كلّ العمد». المعلومات المنتشرة أنّ الناشف «استفز» حردان، من خلال تقديم مشروع يتضمن إقالة كلّ العمد المحسوبين عليه، وأولهم عميد الدفاع زياد المعلوف، مع وجود نظرة نقدية لرئيس الحزب حول دور العسكر في «القومي». يقول الناشف إنّ ذلك «غير صحيح. كان زياد باقياً في منصبه لأنه موقع حساس، ونحن ما زلنا كحزب في حالة دفاع عن النفس في الشام. ربما كان هدفهم خلف تغيير كلّ مجلس العمد، استبدال عميد الدفاع». أما عن نسور الزوبعة (الجناح العسكري لـ«القومي»)، «فالمقاومة هي أحد مبادئنا الأساسية، معقول أن أكون ضد العسكر الذين يستشهدون ويدافعون عنا وهم جزء من الحزب؟ قد نعترض على نقاط تنفيذية، ولكن هذه تُبتّ داخل مجلس العمد». هل الهدف من تعيين مجلس عُمد جديد نزع أوراق قوتك، وإبعاد الحزبيين المقربين منك؟ «ممكن أن يكون هذا المقصود، ولكن لا أستطيع الحسم، فهذه تقديرات شخصية». طيب، لماذا استسلمت أمام الضغوط؟ «لأن كلّ الاتجاهات داخل المجلس الأعلى توحدت وطلبت مني الاستقالة، لم يعد يُمكنني أن أكون منتجاً والأكثرية ضدي»، إلا أنّ ما يلفت نظر الناشف هو كيف أنّ «المجلس الأعلى نوّه بولايتي الرئاسية، وطلب مني في الوقت نفسه الاستقالة لعدم تنفيذي سياسة الحزب. يعني ذلك، وجود أهداف أخرى خلف الاستقالة».

ملاحظات كثيرة يُعددها مسؤولون قوميون على الناشف، كعدم اتخاذه قرارات حاسمة


يُحمَّل الناشف مسؤولية التضعضع الحزبي، والنتائج غير الجيدة التي حُققت في الانتخابات النيابية، ومسائل تنظيمية أخرى، كما لو أنّه تحول إلى كبش فداء لكل مشاكل الحزب القومي. «لسانك لا تذكر به عورة امرئ، فكلك عورات وللناس ألسن»، يردّ الناشف، مُعتبراً أنّه لا يتحمل سوى مسؤولية «10٪ مما حصل. كنت حاسماً في العديد من المواقف، ولم أرضخ. بقيت 3 أشهر حتى شكّلت مجلس عمد، لأنني أردت توحيد الحزب. ثم أطلقت يد العمد، فخلال ولايتي خفتت كثيراً فكرة الهيمنة داخل الحزب. ولكن لا يُمكن القيام بالعجائب».
لا يتوافق كلام الناشف مع ملاحظات يُعددها مسؤولون قوميون عليه، أبرزها «عدم اتخاذه قرارات حاسمة، لا في التعيينات، ولا في التعامل مع العمد، الذين كانت تنعقد جلساتهم بغياب عدد من العمد الوازنين، وعدم زيارته المنفذيات أو معرفته بالقوميين». يتحدث المسؤولون عن ضعف إدارة الناشف، رغم وجود فريق داخل المجلسَين (الأعلى والعُمد) اتخذ موقفاً مُسبقاً من المحامي، حتى قبل تسلمه مهماته. «صحيح، لامتلاكهم اقتناعاً بأنّه لا يُمكن أن يأتي أحد من خارج التوازنات الحزبية، ويُمسك الحزب». أما الفريق الذي دعم وصول الناشف إلى الرئاسة، «فقد تحوّل إلى معارض له، لاعتبارهم أنّه لم يكن على قدر المسؤولية، ولم يواجه طريقة إدارة حردان للحزب، بل شكّل استمرارية لها». ألم يسر الناشف، في مواقف عديدة، ضدّ خيارات رئيس المجلس الأعلى، ما أدى إلى مواجهة حزبية بينهما؟ يردّ المسؤولون بأنّ ذلك لم يحصل إلا أخيراً، «بعدما قرّر الناشف تحويل نفسه إلى قطب جديد داخل الحزب تكون له حصة وازنة في الانتخابات القومية. قبل ذلك، لم يُقدم على أي إجراء يُخالف رغبات المجلس الأعلى». من جهته، يوضح الناشف أنّ من كان «السبب خلف انتخابي، الأمناء جبران عريجي ومحمود عبد الخالق وغسان الأشقر وأنطون خليل وتوفيق مهنا وقاسم صالح، رغم أنّ أسعد حردان اقترع لي». يصف علاقته بالأخير بـ«الكويسة»، فالاختلاف في وجهات النظر «لا يؤدي إلى الخلافات الشخصية. أسعد حردان ركن في الحزب، وقاده بمراحل خطيرة ومهمة». على الرغم من ذلك، ومن كلّ الملاحظات عليه، يرفض الناشف أن يوصف بالرئيس الضعيف، «لأنني كنت أُطبق دستور الحزب. كان هناك عرقلات ضدي من ضمن النظام، كإلغاء قراري إعفاء عميد الداخلية. ومن عرقل هو الضعيف».