في مقابلة سابقة مع «الأخبار»، يقول وزير الاتصالات محمد شقير إنّ «الحصرية في تقديم خدمات القيمة المضافة (VAS)، في قطاع الهاتف الخلوي، ممنوعة لأي إنسان». فمنذ بداية تسلّمه مهماته الوزارية، يتحدّث رئيس الهيئات الاقتصادية عن أنّه يريد الإقدام على خطوتين في ما خصّ هذا النوع من الخدمات غير الأساسية («الرنات» والألعاب...): «إعادة حقّ الدولة، عبر رفع النسبة التي تدخل إلى الخزينة العامة من الخدمات»، وفي الوقت نفسه استمرار «حصول مُقدمي خدمات القيمة المضافة على حقوقهم». انطلاقاً من هذه الفكرة، قرّر شقير تقديم لائحة إلى «ألفا» و«تاتش»، تضم 18 خدمة «قيمة مضافة»، تُقدمها ثماني شركات «جديدة». 5 من الخدمات الـ 18 ــــ على الأقل ــــ مُفعّلة أصلاً، ولا تُشكّل أي «قيمة مضافة»، كما أنّ شركتي الخلوي لا تريان أي حاجة فعلية لها. الطريقة التي تُحاول بها الوزارة إجبار «ألفا» و«تاتش» على توقيع العقود مع الشركات الثماني الجديدة، والسعي المستمر إلى «تلزيم» قطاعات أساسية في الخلوي تُقدمها الشركتان ــــ كخدمة التجوال الدولي Roaming ــــ إلى القطاع الخاص، يُوحيان كأنّ شقير يتعامل مع «الاتصالات» بوصفه بالكامل قطاع «خدمات إضافية»، الغاية منه تحصيل مداخيل إضافية من المواطنين، لتعويض تراجع إيرادات التخابر الصوتي.

كسر الاحتكار، بالمجمل، أمرٌ أساسي وله انعكاسات مباشرة على نمط حياة الناس، بسبب الارتباط الوثيق بين الاحتكار من جهة، وارتفاع الأسعار وتراجع القدرات الاستهلاكية والمديونية من جهة أخرى. لذلك، خطوة شقير في إنهاء احتكار شركات الـ«LibanCall» (لنجيب أبو حمزة)، «Numbase» (لأيمن زكريا جمعة)، و«InMobiles» (لهشام عيتاني وشربل ليطاني وموريس الفرن ومجموعة «Leap»)، لخدمات «القيمة المضافة» في الاتصالات، خطوة إيجابية في القطاع، ولا سيّما أنّ بعض الخدمات «شبه مفروضة» على المشتركين، ومن دون الحصول على موافقة صاحب الرقم، وبلا تقديم المعلومات اللازمة حتى يعرف المُشترك الكلفة التي يتكبدها، وكيفية إلغاء التفعيل. أما الأهم في كلّ الموضوع، أنّ الخدمات غير الأساسية في الاتصالات، سوق «سائب» لجني أرباحٍ طائلة، تصل في بعض الخدمات إلى ملايين الدولارات، من دون تكبّد مجهود، وبالاستفادة من البنية التحتية للدولة. فبحسب الأرقام التي قدمتها شركتا الخلوي إلى لجنة الاتصالات النيابية، تبيّن أنّ قطاع «VAS» حقّق في الـ 2018، 65 مليوناً و369 ألف دولار لدى «ألفا»، و48 مليوناً و500 ألف دولار لدى «تاتش»، أي ما مجموعه 113 مليوناً و869 ألف دولار. كانت حصة الشركات الخاصة من مدخول كلّ خدمة، تتفاوت ما بين الـ 50% والـ 70%، باختلاف الخدمة المقدمة، قبل أن يُعدّل الوزير العقود لتُصبح 50%.
على الرغم من ذلك، لم يكن قرار شقير فتح سوق «VAS» أمام شركات جديدة مدروساً، بل ظهر الرجل «مهجوساً» بفكرة كسر الاحتكار، حتى بات ذلك «الهدف الأسمى» بالنسبة إليه، يسعى إلى تحقيقه ولو من دون دراسة، تكون جزءاً من استراتيجية عامة لقطاع الاتصالات، ونظرة الدولة إليه. فبحسب معلومات «الأخبار»، حين أرسل الوزير إلى «ألفا» و«تاتش»، لائحة الخدمات الـ 18 الجديدة، طلب منهما تسهيل الموافقة على خدمات «VAS» من دون عرقلة، «وبأسرع وقت ممكن، ومن دون وجود دراسة جدوى للخدمات. بعد إطلاقها، إذا تبيّن عدم فعاليتها، يتم إيقافها». وإذا لم يكن مُتاحاً تشغيل كلّ الخدمات المقترحة، «طلبت الوزارة اختيار ثلاث أو أربع خدمات، عشوائياً، وتفعيلها». وتنتشر معلومات أنّ الوزارة ستنتدب موظفاً منها، أو مستشاراً، يكون ممثلاً لها في الشركات الجديدة التي ستُشغل خدمات.
حاولت «الأخبار» الاتصال بشقير، من دون نتيجة. أما مستشار الوزير، محمد شعبان، الذي يقول إنّه هو الذي أرسل لائحة الخدمات إلى الشركتين، فيردّ بأنّ الموضوع عند هاتين الأخيرتين، «اسألوهما. أنا لست مخولاً أو مؤهلاً للحديث».

حقق قطاع «VAS» في الـ 2018، مدخولاً بقيمة 113 مليوناً و869 ألف دولار


لائحة خدمات القيمة المضافة الـ 18، تضم أسماء الخدمات، والشركات التي تُقدمها، وأرقام هواتف ممثلي الشركات، وتوقعات الإيرادات السنوية، ونسب توزيع الإيرادات، من دون أن تترافق مع أي مستندات دراسة جدوى، وتعريفية عن الخدمات وطريقة عملها. تُرك الأمر إلى الاجتماعات الثنائية بين «ألفا» و«تاتش»، وشركات: «بيت كوم، Bet-Com» تُقدّم خمس خدمات؛ «بانغولين، Pangolin» ثلاث خدمات؛ «أي باي، IPay» خدمة واحدة؛ «فايف دي،Five D» ثلاث خدمات؛ «ان تيك مينا، Intech-Mena» خدمتان؛ «جي 30، G30» خدمتان؛ «هايد بارك كورنر كوربورايشن، Hidepark Corner Corporation» خدمة واحدة؛ «مونتي هولدينغز، Monte Holdings» خدمة واحدة. تتراوح الإيرادات السنوية المتوقعة بين 130 ألف دولار بالحدّ الأدنى و6 ملايين دولار كحدّ أقصى بالسنة. ويوجد خدمات حُدّدت إيراداتها على ثلاث سنوات، وتتراوح بين الـ 5 ملايين والـ 19 مليون دولار.
بدأت شركتا الخلوي عقد لقاءات مع الوافدين الجُدد إلى عالم «VAS» في لبنان، قبل قرابة العشرة أيام، مع تكوين اقتناع لدى الشركتين بأنّ «ولا واحدة من الخدمات المعروضة تستحق التشغيل، وليست اختراعاً جديداً». ولكن ربّما يُصار إلى اختيار عدد قليل منها، «لا تُشبه الخدمات المُقدّمة حالياً، لتفعيله». وبحسب مصادر متابعة، فإنّ «ألفا» و«تاتش» خفضتا مستوى تمثيلهما في اللقاءات، «ما يدلّ إما على تسليمهما للوزارة واتجاه إلى قبولهما تشغيل الخدمات، وإما أنّهما لا تتعاملان مع الطلب بجدية»، وخاصة أنّ اللائحة «فُرضت عليهما، بلا مُبرّر لها، بطريقة تدل على استمرار منطقة المحاصصة نفسه في القطاع، وبأنّ الجميع يريد أن يكون له حصة من قالب الجبنة». وتقول المصادر إنّ «واحدة من الشركات الجديدة تتعاون بطريقة مستترة مع واحدٍ من أقدم العاملين في قطاع الخدمات المُضافة».
لم تُنهِ الشركتان بعد وضع تقريرهما، ولكن بحسب المصادر، «النتيجة واحدة، إلقاء المزيد من الأعباء على كاهل المشتركين، عبر محاولة فرض خدمات لم تُدرس الجدوى منها، من باب كسر الاحتكار للمشاركة في المحاصصة».



«تاتش» تُراسل الوزارة: لا نريد الـ«Wonet»
في أيار الماضي، قال الوزير محمد شقير إنّ خدمة الـ«Wonet» للتجوال الدولي (Roaming)، ستنطلق بغضون أسبوعين («الأخبار»، 4 حزيران 2019). حلّ تموز، من دون أن تبدأ خدمة «القيمة المضافة» العمل. لعبت شركتَا «ألفا» و«تاتش»، دوراً رئيسياً في «الصمود»، حتى الساعة، بوجه ضغوط شقير الرامية إلى منح شركة خاصة هذه الخدمة. فالخدمة الجديدة منافسة رئيسية للشركتين، وستحرم خزينة الدولة من إيرادات كانت تُحصلها. آخر الإجراءات التي قامت بها الشركتان، رسالة من الرئيس التنفيذي لـ«تاتش» إمري غوركان، إلى وزارة الاتصالات، بتاريخ 24 حزيران، يشرح فيها لماذا لا يجب إعطاء الموافقة لـ«Wonet»، التي «لا تملك معايير واضحة». واحد من الأمور التي يعتبرها غوركان «أمراً غير مقبول» هو إزالة المشترك لشريحة «تاتش»، واستبدالها بشريحة الشركة الخاصة، ما سيؤثر على علاقة العميل بـ«تاتش»، وعلى علامة الأخيرة التجارية. ويرى أنّه، كمدير لواحدة من شركتي الخلوي، لا يجوز السماح لمُشغل شبكة محمول افتراضية (MVNO) بالعمل مثل «mic 2» («تاتش»)، وهو ما يحتاج أصلاً إلى ترخيص من السلطة الشرعية. في الإطار نفسه، يقول غوركان إنّ الخدمة تحتاج إلى موافقات أمنية قبل تفعيلها، ويضيف إنّ «ما تقترحه Wonet، قد يؤدي إلى سوء استخدام التطبيق، مثل استخدام شبكتهم الافتراضية الخاصة من قبل العملاء، لتزوير عنوان الإنترنت (IP)… لحماية الوزارة وmic 2 من هذه الثغَر، هناك العديد من التعديلات التي يجب القيام بها، وستؤدي إلى تكاليف إضافية، ترفض Wonet دفعها».
يُخبر غوركان في رسالته، أنّ «mic 2» كانت قادرة على التفاوض للحصول على باقات بيانات «جذابة» للتجوال الخارجي، في أكثر البلدان شعبية لدى اللبنانيين، «وبكلفة 0.01 دولار/ ميغابيت، وهو أفضل بكثير من عرض Wonet». وقد ذكّر غوركان، وزارة الاتصالات، بأنّ «mic 2» تُقدّم لعملائها خدمات للتجوال الخارجي، ويوجد خدمات «بعضها ينتظر موافقة الوزير».
بناء على ملاحظاته، لا يعتبر غوركان أنّ دراسة الجدوى التي قدمتها «Wonet» جيدة، وبسبب «ضيق الوقت، لن تتمكن mic 2 من وضع اتفاق تجاري خاص بها، ومضطرة إلى أن تعتمد على اتفاق Wonet». يوحي كلام غوركان بوجود ضغوط على الشركة لإمرار المشروع بسرعة، ومع ذلك يُصر على «حماية حقوق الوزارة والـ mic 2، أن تكون الخدمة لفترة تجريبية، واعتماداً على الأداء والإيرادات، نُقرر الاستمرار بها أو تعليقها». فبحسب المعلومات، قامت الشركتان بدراسة جديدة للإيرادات المتوقعة، فوجدت مجدداً أنّها لن تُحقق أرباحاً. وفي رسالته، يكشف غوركان أيضاً أنّه قيل له إنّ «mic 1 («ألفا») وافقت على إطلاق الخدمة». تقول المصادر إنّ «ادعاء موافقة «ألفا»، مصدره الوزارة للضغط على «تاتش»، لكنّ «ألفا» لا تزال صامدة، ولا تريد تشغيل الخدمة.
--