قطر اشترت سندات يوروبوندز. قطر لم تشترِ السندات. السعودية ستدعم لبنان. السعودية لم تقدم أي دعم بعد. على وقع هذه المعزوفة عاشت الأسواق المالية ستة أشهر. فترة كاملة من ارتفاع الأسعار ونزولها. كلما لاحت هزّة ما في أفق أسعار السندات، استعادت الأسواق واحداً من الوعود القطرية والسعودية لتعيد بناء الوهم. تراكم فوق هذه الوعود طبقات من التفاؤل والتصاريح، كان آخرها تصريح وزير المال علي حسن خليل لـ«رويترز»، مشيراً إلى أن «الكلام القطري عن شراء سندات لبنانية جدّي ويعبّر عن التزام الدوحة وعدَها لدعم الاستقرار المالي في لبنان». هو الوهم الذي يصدّقه اللبنانيون. يبحثون عن «بصيص خبرية» للتمسّك بها في وجه المؤشرات السلبية المتسارعة. فما تبيّن، حتى أمس، أي بعد مرور ستة أشهر، أن قطر والسعودية تبيعان الكلام.

القصّة بدأت في مؤتمر القمة العربية الذي عقد في بيروت أواخر شهر كانون الثاني الماضي. يومها، أعلن نائب رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في تصريح نقلته «وكالة الأنباء القطرية»، أن بلاده ستشتري سندات خزينة لبنانية بالعملات الأجنبية (يوروبوندز) بقيمة 500 مليون دولار. وقال آل ثاني إن هذه الخطوة «جاءت بعد مساعٍ بذلها وزير الخارجية جبران باسيل مع أمير قطر في قمة بيروت».
ولم تكد تمضي ساعات على التصريح القطري، حتى أعلن وزير المال السعودي، محمد الجدعان، في تصريحات لشبكة CNBC، على هامش مشاركته في مؤتمر دافوس، أن بلاده مستعدة لبذل كل ما في وسعها لدعم الاقتصاد اللبناني المتدهور، وأنها «مهتمة باستقرار لبنان، ومستعدة لدعمه بكل الوسائل ومساعدته حتى النهاية».
ردود الفعل في لبنان تحوّلت إلى سيل من تصريحات الشكر على «المكرمات»، وعن سياسة النأي بالنفس التي استفاد منها لبنان في جذب دعم طرفي الصراع الخليجي (السعودية وقطر). إلا أنه مضت ستة أشهر على هذه التصريحات من دون أن يظهر أي أثر للدعم الموعود. بل على العكس، تسارعت وتيرة ظهور المؤشرات المالية السلبية عن نمو لبنان بمعدل 0.25% في 2018، وتوقعات بتقلص الاقتصاد بمعدل 1% في 2019، فضلاً عن تباطؤ التدفقات النقدية وارتفاع عجز ميزان المدفوعات إلى حدود قياسية في فترة قصيرة، بالإضافة إلى اتساع هوامش التذبذب في سوق السندات اللبنانية المتداولة في الأسواق الدولية.
بحسب مصادر مطلعة «لم تظهر أي إشارات من الجانب السعودي عن استعداده لتقديم الدعم المالي للبنان، لا في مجال الاستثمارات، ولا في مجال السياحة، إذ مرّ عيد الفطر ولم تترجم الكلام والوعود عن حجوزات سعودية متنامية إلى لبنان».
أما بالنسبة إلى قطر، فالقصة معزّزة بمعطيات. يقول العاملون في السوق المالية، إنه لوحظ في شباط الماضي عمليات شراء سندات «يوروبوندز» من قبل جهات قطرية بقيمة لا تتجاوز 60 مليون دولار. العمليات جرت بين الجهات القطرية ومستثمرين أجانب. «بعد ذلك، لم تحصل أي عمليات، بل بدا كأن القطريين اكتفوا بهذا المبلغ الزهيد».
ويعلق هؤلاء على التصريح الأخير المنقول بواسطة «بلومبرغ» عن مسؤول قطري رسمي (مجهول الاسم) يؤكد فيه التزام قطر شراء سندات بقيمة 500 مليون دولار، بأنه «كلام لم نرَ ترجمة له في السوق، بل بات يثير الشكوك نظراً للتصريح المجهول المصدر ومرور كل هذا الوقت على التصريح».

قطر اشترت سندات بـ60 مليون دولار في شباط وتوقفت


«الأخبار» اتصلت أيضاً بعدد من المصرفيين الذين قالوا إنهم لم يبيعوا سندات «يوروبوندز» لأيّ جهة قطرية أو جهة تعمل لحساب الحكومة القطرية، «بل لم تحصل أي عمليات تداول على سندات الـ«يوروبوندز» في السوق، كمّاً وعدداً، تشي بأن القطريين أو غيرهم اشتروا سندات «يوروبوندز»، ما يعني أن تصريح المسؤول الرسمي القطري ليس سوى جعجعة بلا طَحْن».
وما يعزّز هذا الاستنتاج، أن «مصرف لبنان لم يبع أيضاً أي سندات «يوروبوندز» للقطريين، أما المصارف فلا يمكنها أصلاً أن تبيع السندات التي تحملها في محافظها، لأن السعر الرائج اليوم لهذه السندات أدنى من قيمة السندات يوم اشترتها المصارف، وبالتالي إن بيع السندات من المصارف يرتّب عليها خسائر لا يمكنها تحمّلها في الظروف الحالية».
لكن ماذا لو اشترت قطر سندات من السوق الثانوية بالقيمة التي تحدثت عنها، أي من الأجانب؟ يجيب المطلعون بالآتي: يحمل الأجانب سندات يوروبوندز بقيمة تصل إلى 9 مليارات دولار، فيما يحمل مصرف لبنان والمصارف اللبنانية 21 مليار دولار، وبالتالي إن أي تداولات تجري خارج السوق اللبنانية لا تضخّ أي دولارات إضافية في لبنان. استفادة لبنان من أي مبلغ مالي في سوق السندات، يجب أن يكون عبارة عن دولارات إضافية تأتي إلى لبنان، وهذا لا يمكن أن يحصل إلا عبر الاكتتاب بسندات جديدة تصدرها وزارة المال، وهو أمر لم يحصل بعد، أو عبر شراء السندات من اللاعبين المحليين، أي من المصارف أو مصرف لبنان، وهو أيضاً أمر لم يحصل بعد.