أصدرت بعثة صندوق النقد الدولي إلى لبنان بيانها الختامي أول من أمس. البيان صدر بلهجة مخفّفة نسبياً، إلا أنه يحتوي على مضمون قاسٍ. فمن جهة، يرحّب البيان بالإجراءات التقشفية التي اتخذتها الحكومة في مشروع موازنة 2019، لكنه من جهة ثانية يتعامل مع تنفيذها بكثير من الحذر يدفعه إلى التشكيك في نتائجها على العجز، معتبراً أنه لن ينخفض إلى أقل من 9.75% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما تدعي الحكومة أنه سينخفض إلى 7.6%. واللافت أن الصندوق ربط توقعاته هذه بتحقق تقديرات الحكومة للإيرادات، علماً بأن تقديراتها في السنة السابقة جاءت أقل من المتوقع بكثير. وفي الخلاصة، يتوقع الصندوق «أن تخفض الإجراءات المتخذة في موازنة 2019، العجز نسبة إلى الناتج إلى 9.75%، لكن هناك عدم يقين متعلق بإقرار هذه الإجراءات».

على أيّ حال، يقول الصندوق إن الفرصة سانحة للقيام بإصلاحات بنيوية تعيد التوازن إلى الاقتصاد، إلا أنه يرى أن «نقطة الانطلاق صعبة، في ظل العجز التوأم (عجز الخزينة وعجز الحساب الجاري)، والنمو الاقتصادي المتدني، والدين العام الواسع»، مشيراً إلى أن «خطوات الحكومة المرحَّب بها، هي خطوة أولى على طريق طويل من أجل الوصول إلى الاستدامة والنمو اللذين يتطلبان الانخراط أكثر في الإصلاحات المالية والهيكلية لتحسين الاقتصاد والحوكمة».
ويعتقد الصندوق أن هذه اللحظة مهمة جداً للبنان، لافتاً إلى اتساع التحديات التي يواجهها مصرف لبنان للحفاظ على الاستقرار المالي وثبات سعر الصرف. لذا، يرى أن الطريق الوحيدة لخروج لبنان من أزمته تكمن في «البدء بإصلاحات مالية وبنيوية ملحوظة لاحتواء الدين العام وتحفيز النمو».
ويرسم الصندوق مشهد الوضع المالي في لبنان على النحو الآتي: بلغ عجز الموازنة 11% من الناتج المحلي الإجمالي في 2018، مقارنةً بـ8.6% في 2017. والفائض الأولي أصبح عجزاً أولياً، بسبب الكلفة غير المتوقعة للرواتب والأجور في القطاع العام والتوظيف الإضافي. أما الإيرادات الضريبية، فكانت أقلّ من المتوقع، ومدفوعات الفائدة (خدمة الدين) باتت تشكّل 9% من الناتج. وتخطى عجز الحساب الجاري 25%، إلى جانب ضعف نمو الصادرات، وارتفاع أسعار النفط المستورد وضعف تحويلات المغتربين. كذلك، توقفت الودائع عن النمو، فيما تراجعت احتياطات مصرف لبنان بقيمة 6 مليارات دولار رغم مواصلة تنفيذ العمليات المالية (الهندسات)، وتراجعت التسليفات المصرفية للقطاع الخاص، وازدادت القروض المتعثّرة، فيما ارتفعت معدلات الدولرة إلى أكثر من 70%.
هذه التطورات «انعكست أيضاً خفضاً للتصنيف في مطلع هذه السنة، لتصبح النظرة إلى الاقتصاد، مستقبلاً، مرتبطة بتطور الإصلاحات والظروف التي تعيشها المنطقة». وبالتالي، إن «تطبيقاً جدياً للإصلاحات المالية والهيكلية يرفع منسوب الثقة، ويعطي مساحة إضافية لإنعاش الاقتصاد ويحفّز المانحين الدوليين».
ويتعامل الصندوق بحذر وتشكيك مع تطبيق الإصلاحات، إذ يقول: «المخاطر تبقى موجودة. فشل الحكومة في بلوغ الأهداف وتنفيذ الإصلاحات أو أحداث سياسية واجتماعية يضرّ بالثقة».
ومن المسائل التي أثارها الصندوق، أن الإجراءات المتعلقة بإصلاح الكهرباء ستوفّر على الخزينة، لكنه يشدّد على «وقف الدعم للكهرباء وزيادة التعرفات بما يؤمن لمؤسسة كهرباء لبنان تصفية عجزها على المدى المتوسط». إلا أن هذه الإجراءات «لن تؤثّر بمسار الدَّين العام»، ما يعني أنه بات ضرورياً أن يكون للحكومة «خطة للدين العام على المدى المتوسط».
الوصفة الجاهزة للصندوق تتضمن أيضاً «زيادة ضريبة القيمة المضافة، وزيادة الضريبة على استهلاك البنزين، وزيادة الحاصلات الضريبية. إن زيادة ضريبة الفوائد من 7% إلى 10% على فترة ثلاث سنوات يمكن أن تصبح دائمة أيضاً، ويجب أن تكون هناك المزيد من الضرائب لتحقيق إيرادات سريعة، مثل الضريبة على اليخوت الأجنبية والوقود المستعمل لمعامل الكهرباء، وعلى الطرقات أيضاً. يجب تحسين الجباية، وخصوصاً من المتهربين، ما قد يغني عن زيادة الضرائب».
ويتطرق الصندوق إلى ضرورة تحسين الصادرات من أجل تحسين العجز الخارجي، وإصلاحات قانونية تشمل العديد من القوانين الجمركية والقضائية والتجارية.
الحصّة الأسوأ من بيان البعثة، كانت لمصرف لبنان. فمن جهة يعتبر الصندوق أن المصرف المركزي كان العمود الفقري في الاستقرار المالي وحماية ثبات سعر صرف الليرة، إلا أن كلفة هذا الأمر «أضعفت ميزانيته». فالمصرف كان يجذب الدولارات من خلال تقديم عوائد مرتفعة، ما سمح للمصارف بأن ترفع معدلات الفائدة للمودعين أيضاً ولتحقيق الأرباح، لكن في المحصلة باتت السندات الحكومية تمثّل 14% من أصول القطاع المصرفي، والودائع لدى مصرف لبنان تمثّل 55% من هذه الأصول، فضلاً عن انكشاف كامل على الدَّين السيادي بنسبة 68.5% من الأصول، أي أكثر 8 مرات من الأموال الخاصة للمصارف.
يخلص الصندوق إلى القول إنّ «على مصرف لبنان أن يتراجع تدريجاً عن العمليات شبه المالية (الهندسات)، وأن يعزّز ميزانيته العمومية، وأن يتراجع عن شراء السندات الحكومية والسماح للسوق بتحديد الفوائد عليها، لأن شراء الدَّين الحكومي بفائدة منخفضة يفاقم عجز ميزانته ويقوّض صدقيته».