أواخر شهر رمضان الماضي، أطلق و. الحاج حسين، من مدينة الهرمل، النار على نفسه قبيل موعد الافطار بقليل. قبل ذلك، كان قد تلقّى اتصالاً من أحد «الديّانة» يبلغه فيه بأنه سيضع يده على منزله لتأخره في سداد دينه. الأربعيني، والأب لطفلتين، كان قد قضى شطراً من حياته في السعودية، وعاد بجنى العمر لبناء منزله. عندما افتتح، قبل اشهر، مطعماً صغيراً لم يكن أحد يعلم بأنه لجأ الى مرابين لتأمين رأس ماله. سرعان ما تراكمت الفوائد، والفوائد على الفوائد، حتى باتت عشرات الآلاف التي استدانها «دَيناً» بمئات الآلاف!

في بعلبك - الهرمل، ليس أسهل على المرء من أن يخسر منزله وأرضه ومؤسسته التجارية، وكل أملاكه التي ورثها أو أمضى عمره يجمعها. قد يطيح بكل ذلك، بلمح البصر، «قرض» مالي ملتبس، استدانه - بعدما سدت سائر الأبواب في وجهه - من مرابين يقتنصون المتعثرين مالياً.
قبل هذا، ثمة بلد متعثر - هو الآخر - يتخبط منذ عقود في أزمات مالية واقتصادية واجتماعية. وثمة منطقة لم تلتفت الدولة يوماً إلى معاناة مزارعيها والديون التي تتراكم عليهم بسبب كساد الإنتاج والمنافسة غير المشروعة والتهريب. ولم تستمع يوماً الى شكوى تجارها من الركود الناتج عن تفلّت أمني لم تنفع معه كل الخطط الأمنية الفاشلة. ولم تهتم يوماً بحرفييها وأصحاب المؤسسات السياحية فيها وذوي الدخل المحدود وغيرهم ممن يعجزون عن الاقتراض بالطرق القانونية السليمة لتسهيل شؤون حياتهم، اللهم إلا في مقابل راتب ثابت، أو رهن عقاري غير ممكن لغياب الضم والفرز.
هذا التجاهل تلقّفه مرابون يجد فيهم المتعثرون «مخلّصين» و«فارجين للهمّ». يمعن هؤلاء في تسهيل «شروط» الاقراض لضحاياهم بضمانات تأمين مالية (شيكات)، وعقارية (رهن)، مقابل فوائد وفوائد على الفوائد، تؤدي في وقت قصير الى غرق المدينين وخسارتهم كل ما يملكون.
ليست هذه ظاهرة جديدة في تلك المناطق، إلا أن الجديد هو تفشّيها وتوسّع دائرة المرابين بعدما كانت تقتصر على بعض المتمولين، وبالتالي دائرة الضحايا، حتى باتت تشكل مصدر خطر على الأمن الاجتماعي في المنطقة. مصادر أمنية أكّدت لـ «الأخبار» إحصاء «أكثر من 350 مرابياً» في المنطقة، مع ترجيح أن العدد أكبر من ذلك بكثير، لأن بعضهم يعمل في السر، «ومن بينهم موظفون في القطاع العام».
في بعلبك، التي تشهد ركوداً اقتصادياً يزيده الفلتان الأمني سوءاً، عشرات من التجار ممن وقعوا في شرك «الدَّين بالفايدة» أملاً في تحسّن الأوضاع بما يمكّنهم من تسديد ديونهم. أحدهم خسر مؤسسته وبيته. يقول لـ«الأخبار»: «زادت خسائري بسبب الأزمة الاقتصادية وانكماش السيولة بين الناس. سُدّت كل الأبواب في وجهي، البنك والأقارب والأصدقاء، فلم يكن امامي الا ارتكاب غلطة عمري باستدانة مبلغ من المال بفائدة 11 في المئة شهرياً. كنت آمل ان تتحرك الأوضاع بما يمكنني من تسديد الدين، لكن الأوضاع بدأت تسوء أكثر، ومع كل تعثر بسداد سند كانت الفائدة تتضاعف حتى عجزت عن الدفع وراحت مؤسستي وبيتي للديّانة». الرجل الستيني الذي يعيش اليوم في «شقة بالايجار»، يؤكّد أن «مطحنة» المرابين طحنت بين 45 و50 من أصحاب المؤسسات التجارية في المدينة وضواحيها، بعضهم «خسر كل ما يملك، وبعضهم فرّ الى الخارج وبات لديه ملف قضائي».

يتمتع المرابون بإلمام بالقانون ويحمون انفسهم من الملاحقة بطرق احتيالية


الظاهرة الخطرة نفسها تشهدها مدينة الهرمل التي يُعرف المرابون فيها بالأسماء، ويمارسون «أعمالهم» علناً. نائب المدينة السابق المحامي نوار الساحلي أشار الى أن هناك «من يعتاشون على الربا كمورد رزق اساسي حتى باتوا من أصحاب الثروات الطائلة خلال فترة قصيرة». وأوضح أن الظاهرة شهدت اتساعاً في الآونة الأخيرة بالتزامن مع سوء الأوضاع الاقتصادية، مشدداً على ان «خطورتها تكمن في النزاعات التي تنشأ بين المرابين الذين يتمتعون بسلطة عائلية ونفوذ، وبين المقترضين وغالبيتهم من العائلات الصغيرة ممن يقدمون على رهن عقاراتهم وهي شيوع (لعدم وجود عمليات ضم وفرز في غالبية قرى وبلدات المنطقة)، ما يؤدي بالتالي الى دخول المرابين شركاء في تلك العقارات».
والربا بحسب قانون العقوبات هو «قرض مالي عقد لغايات غير تجارية واشترطت فيه فائدة تزيد على معدلها القانوني، ويفرض على المستقرض فائدة إجمالية بصورة ظاهرة أو مستترة». وتنص المادة 662 من قانون العقوبات على أن «كل من رابى شخصاً لاستغلال ضيق ذات يده عوقب بغرامة يمكن أن تصل إلى نصف المبلغ المقترض، أو بالحبس لمدة لا يمكن أن تزيد عن السنة، أو بإحدى هاتين العقوبتين». ويوضح الساحلي أن المرابين يتقاضون فوائد شهرية بدلاً من السنوية لتحقيق ربح سريع والضغط على المقترضين، وهم «يتمتعون بإلمام بالقانون، لذا يحمون انفسهم بطرق احتيالية كالطلب من المقترض تحرير شيك بالمبلغ المقترض مع فائدته الربوية بتاريخ استحقاق المبلغ، في وقت تكون فيه الضمانة أموالا منقولة (سيارة، ذهب...)، أو أموالا غير منقولة (بيوت، عقارات)، وبموجب عقود تأمين عقاري او رهن. وبمجرد تقديم الشيك الى النيابة العامة يتم توقيف المقترض الضحية. وإذا وصلت الأمور الى المحكمة، وفي حال أثبت الضحية ماهية القرض، يمكن للقاضي ان ينسف الدين». لكن ذلك دونه خطورة كبيرة، فقد تصل الأمور أحياناً الى مهاجمة منازل المقترضين وإطلاق النار عليهم وترويعهم أو خطفهم. وفي بعض الحالات قد يقدم المقترض على انهاء حياته لمعاقبة نفسه على ما جناه على عائلته. علماً أن معالجة هذه الآفة تتطلب، أولاً، اقتراح قانون يفرض عقوبات قاسية على المرابين تتخطى الغرامة المالية والسجن سنة، وتفعيل دور الاجهزة الامنية في توقيف المرابين المعروفين.