أنتجت الاتصالات واللقاءات المتسارعة في اليومين الماضيين، «تهدئة» بين الحكومة والإدارات المختلفة في القطاع العام، والتي نفذت في الأيام الماضية إضراباً شاملاً احتجاجاً على خطّة التقشّف التي تناقشها الحكومة في موازنة 2019 المتأخرة.

وفيما بدا اللقاء الثلاثي الذي عقد في قصر بعبدا أول من أمس بين الرؤساء الثلاثة، رئيس الجمهورية ميشال عون ومجلس النواب نبيه بري والحكومة سعد الحريري، إعلاناً لوصول نتائج الإضرابات إلى مرحلة هزّ البلاد، ولا سيّما مالياً، مع إضراب موظّفي مصرف لبنان وتأثير ذلك في الأسواق المالية والحركة النقدية، أتت جلسة الحكومة أمس لتكرّس فوز حاكم مصرف لبنان رياض سلامة بالجولة الأولى من الكباش. إذ إن الحكومة اضطرت إلى الإبقاء على وضع مصرف لبنان المالي وعدم إدخال أي تعديلات عليه كان وزير المال علي حسن خليل قد اقترحها في مشروع الموازنة المقدّم إلى الحكومة (المادة 60 إخضاع موازنة المصرف وحساباته لوزارة المالية، المادة 61 إلغاء العمل بالرواتب التي تزيد على 12 شهراً في السنة). ومساءً، وبنتيجة الاتصالات ولقاء عون مع وفد من الاتحاد العمالي العام برئاسة رئيسه بشارة الأسمر، أعلن الأسمر تعليق الاضرابات، ولا سيّما في مرفأ بيروت، الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، مؤسسة كهرباء لبنان، هيئة أوجيرو، إدارة الريجي، أهراءات الحبوب في المرفأ، كهرباء قاديشا، مصالح المياه في كل المحافظات، المصلحة الوطنية لنهر الليطاني، النقل المشترك...
ويأتي إعلان تعليق الإضراب، مع إعلان نقابة موظّفي مصرف لبنان أيضاً فكّ إضرابها والعودة إلى العمل بدءاً من صباح اليوم. وفيما جرى الحديث عن اتفاق بين سلامة والرؤساء الثلاثة على أن تعليق إضراب الموظّفين يقابله فتح المجال أمام سلامة للبحث عن صيغة ما لإجراءات محدّدة داخل المصرف لخفض أجور العاملين وإلغاء رواتب الأشهر الأربعة التي يحصل عليها الموظفون زيادة على الرواتب الـ 12 في السنة، قالت مصادر النقابة إنه «لم يُتَّفَق على أي تخفيضات من رواتب الموظّفين ولا نقبل المسّ بأيٍّ من حقوقنا ومكتسباتنا». وقالت المصادر إن «من يريد التقشّف بإمكانه أن يضع إجراءات محدّدة على الأجور المرتفعة وهوامش ضريبة تصاعدية، لكن أن يجري الحذف وظلم المستحقين، فهذا غير مقبول ولا نوافق عليه». وبحسب المعلومات، فإن التعديلات التي طرأت على المادتين 60 و61 في الحكومة بعد النقاش بين الوزراء، هي أن لا تطاول المادة 60 مصرف لبنان، وأن يحذف من نص المادة ذِكر «على سبيل المثال مصرف لبنان...».
ما تقدّم يعني عملياً رفض رياض سلامة لأيّ تدخّل من قبل السلطة التنفيذية في عمل المصرف، وإبقاء موازنته خارج أي رقابة جدية، فضلاً عن احتفاظه بالهامش الأوسع الذي اقتطعه لنفسه في العقود الماضية، فبات الوحيد في الجمهورية الذي يرسم سياسات نقدية ومالية واقتصادية، بذريعة تخلّف السلطتين التشريعية والتنفيذية عن القيام بواجباتهما في هذا المجال.
في المقابل، يؤكد عدد من الوزراء أنّ سلامة تعهّد بتأمين اكتتاب المصارف ومصرف لبنان في سندات خزينة بقيمة 12 ألف مليار ليرة لبنانية، لمدة 10 سنوات، بفائدة 1%، ما يعني «خفض نفقات الدولة بما يعادل ألف ومئة مليار ليرة لبنانية».
أما الجلسة الحكومية أمس، فجرى فيها نقاش طويل بشأن توحيد منطق الرواتب في كل القطاع العام، ووضع ضريبة دخل على رواتب المتقاعدين. وأكّد أكثر من مصدر وزاري أنّ هناك اتجاهاً عاماً ظهر أمس لوضع ضريبة دخل على رواتب المتقاعدين تبلغ نحو 3%، ومنع تلقّي راتبين تقاعديين، ولو من وظيفتين مختلفتين في القطاع العام.

بو صعب والحسن سيقدمان تقريرين اليوم لتجري مناقشة التدبير رقم ثلاثة


وجرى الحديث عن إلغاء ما يسمّى «التجهيزات العسكرية» للضباط المتقاعدين، لكن من دون حسم الوجهة في هذا المجال. و«التجهيزات العسكرية»، على ما يقول مصدر، باب استُحدِث في عام 2001 لرفع رواتب الضباط من دون تضخيم أساس الراتب، ويقترح وزير المال تعديل هذه العلاوة غير المباشرة. وتناول البحث أيضاً تعديل التدبير رقم ثلاثة (الذي يمنح العسكريين والأمنيين حق الحصول على تعويض نهاية الخدمة يبلغ 3 أشهر بدل كل عام في الخدمة العسكرية الفعلية) بشكل جذري، واتُّفق على أن يقدّم وزير الدفاع الياس بو صعب، ووزيرة الداخلية ريا الحسن، تقريراً مفصّلاً بالأرقام ليعاد النقاش بالأمر، بما يضمن الحفاظ على انتشار القوات المسلحة وفعاليتها وإدخال سياسة التقشّف في الوقت نفسه.
وقال وزير الإعلام جمال الجراح بعد الجلسة إنه «في السلطات العامة، الجو متجه نحو خفض الرواتب، ككل القطاعات التي يحكى فيها عن خفض إضافات الرواتب، وليس أساس الراتب. أما بالنسبة إلى السلطات العامة، فهناك جو إيجابي لخفض رواتبهم، فالمرء يجب أن يبدأ بنفسه». وأضاف أن «موضوع الأجهزة الأمنية والعسكرية سيدرس كسلة واحدة، ليس التجهيزات وحدها والتقاعد وحده والراتب وحده، بل سلة متكاملة»، موضحاً أن «غداً (اليوم) سيتم الانتهاء من البنود القانونية، والخميس سيتم الدخول في الأرقام».
من جهتها، «توقفت» كتلة المستقبل النيابية عند ما سمّته «الحملة المشبوهة التي تستهدف حاكم مصرف لبنان وقطاع المصارف، وتعمل على تشويه الحقائق وتأليب الرأي العام تجاه السياسات النقدية والمصرفية، وتغليب المنطق الشعبوي في مقاربة المسائل الاقتصادية والمعيشية»، لكنّها عادت وناقضت نفسها، منتقدةً ما سمّته «التحريض على استخدام لغة الشارع وقطع الطرقات وشلّ المؤسسات»، كما حصل في مصرف لبنان!