في مشروع الموازنة، الذي عقد مجلس الوزراء حتى الآن 4 جلسات لمناقشته، الشقّ الجدّي فيه محصورٌ بطريقة تعامل الدولة مع فوائد الدَّين العام، ومُشاركة المصارف في تحمّل أعباء الأزمة. كلّ ما عدا ذلك، ليس سوى «تنفّس اصطناعي» لتمرير المرحلة الآنية و«تحرير» أموال مؤتمر «باريس 4». الدليل على ذلك، سير النقاشات داخل مجلس الوزراء، الذي بدأ يظهر الانقسام داخله بين «حزب المصارف» من جهة، وبقية القوى من جهة أخرى. التشرذم الأول بان في جلسة الخميس مع نقاش المادة الـ23 المتعلقة بتعديل المادة 32 من قانون ضريبة الدخل. ففي المادة 23، ثمة فقرة تذكر أنّ «أرباح شركات الأموال (الشركات المغفلة - الشركات المحدودة المسؤولية - شركات التوصية بالأسهم بالنسبة إلى الشركاء الموصين) تخضع لضريبة نسبية قدرها 17%». 17 في المئة هي الضريبة على أرباح الشركات المالية (على رأسها المصارف)، فيما الضريبة على دخل أصحاب المهن الحرّة يمكن أن يصل إلى 25 في المئة! طالب وزراء حزب الله والتيار الوطني الحرّ بزيادة الضريبة على أرباح الشركات المالية إلى أكثر من 17%، إلا أنّ اقتراحهما سقط، بسبب معارضة الأكثرية داخل مجلس الوزراء. أما الاختلاف الثاني بين المكونات الحكومية، فحصل في جلسة أمس، خلال نقاش المادة الـ30 من مشروع الموازنة، والرامية إلى رفع الضريبة على فوائد الودائع المصرفية من 7% إلى 10%. ورغم أنّ هذه الضريبة غير عادلة، لكونها تساوي بين صغار المودعين والكبار منهم، إلا أنها تبقى منخفضة جداً بكافة المقاييس، وتشجّع المودعين على عدم الاستثمار في أي قطاع منتج، والاكتفاء بإيداع أموالهم في المصارف وجني فوائد مرتفعة بلا أي مخاطر تذكر. أول المتصدين لهذا التعديل كان زعيم «حزب المصارف» في مجلس الوزراء، رئيس الحكومة سعد الحريري، ما استدعى ردّاً عليه من وزير المال علي حسن خليل، قائلاً: «دولة الرئيس، وعدتني واتفقنا على السير بالتعديل». نفى رئيس الحكومة لخليل أن يكونا قد اتفقا على شيء، «وأنا ضدّ التعديل». وساند رئيسَ الحكومة في موقفه وزراء القوات اللبنانية (وخاصة وزير العمل كميل أبو سليمان) وتيار المستقبل وممثل تيار العزم الوزير عادل أفيوني. في المقابل، تولّى وزراء «تكتل لبنان القوي» وحزب الله وحركة أمل والمردة الدفاع عن طرح الزيادة الضريبية. وأمام إصرارهم، ما كان من الحريري إلا الموافقة عليها، بشرط إعفاء المصارف من الـ3% الإضافية. وكانت حجّة أحد الوزراء في «حزب المصارف» أنّ هذه الأخيرة ستُسهم بخفض كلفة الدَّين العام، وستوفر على الدولة اللبنانية نحو 700 مليار ليرة، «إذا لم نُعفهم من الـ3%، فسيردون بتخفيض مساهمتهم في كلفة الدَّين العام». هذا الابتزاز الذي تحاول المصارف عبره إخضاع الدولة، تصدّى له وزراء التيار الوطني الحر وحزب الله وحركة أمل. وعوض الزيادة من الـ7% إلى الـ10%، اقترح الوزير جبران باسيل، رفع الضريبة إلى 12%، مؤكداً أنّه يريد أن تكون أعلى من ذلك. وبعد طول نقاش، اقترح باسيل أن يُرجأ بتّ الأمر إلى جلسة يرأسها رئيس الجمهورية، فرفض الحريري ذلك، لكنه سرعان ما أعلن ترحيل البحث في المادة 30 إلى جلسة أخرى.

بهذه الروحية، الهادفة إلى «إنقاذ» المصارف، انعقدت أمس الجلسة الرابعة لنقاش موازنة الـ2019. النقاش أدّى بدايةً إلى أن إقرار المادة 28 التي نصّت على إعطاء مهلة ستة أشهر لمن بحوزته عقود بيع أو وكالات غير قابلة للعزل منظمة لدى كاتب العدل موضوعها شراء العقارات، لتسجيل العقود والوكالات لدى أمانات السجل العقاري على أساس رسم فراغ نسبته 3% بدلاً من 5%.
حصل خلاف بين المجتمعين حول المادة 29، الخاصة «بتمديد مهل التراخيص المتعلقة باكتساب غير اللبنانيين الحقوق العينية العقارية في لبنان، المنتهية وغير المنتهية، خمس سنوات. وفي حال انقضاء المهلة الممددة من دون تشييد البناء، تفرض على مالك العقار غرامة سنوية تراكمية بنسبة 2% من قيمة العقار، وعند بلوغها 10% يُباع العقار بالمزاد العلني». مضت سنوات على تملّك عددٍ من الأجانب عقارات في لبنان، من دون تنفيذ أي مشروع أو بناء عليها. وقد جرى قبل خمس سنوات، تمديد المهلة 5 سنوات. رفض باسيل المادة بطريقة قاطعة. اقترح وزراء القوات اللبنانية تخفيض المهلة الإضافية من 5 إلى ثلاث سنوات، قبل أن يطرحوا تخفيضاً إلى سنة واحدة. بالنهاية، اتُّفق على تعديل المادة، بحيث إنّ على كلّ أجنبي لم يشغل العقار الذي اشتراه، أن يُرسل طلباً مستقلاً إلى مجلس الوزراء، الذي يُجري الدراسات ويُبتّ بكلّ حالة على حدة.

اقترح باسيل رفع الضريبة على الفوائد من 7% إلى 12% عوض الـ10%


الحدّة التي أظهرها عددٌ من القوى خلال نقاش البنود التي تُصيب «حُماتهم»، أي المصارف، اضمحلت أثناء سرد المواد المتعلقة بخفض الغرامات، فأُقرّ معظم ما عُرض منها خلال جلسة أمس: غرامات التحقق والتحصيل؛ الغرامات المتوجبة على أوامر التحصيل الصادرة عن الإدارات والمؤسسات العامة والبلديات؛ الغرامات المتوجبة على رسوم الميكانيك؛ الغرامات المتوجبة على الرسوم البلدية على المؤسسات السياحية؛ الغرامات وزيادات التأخير المترتبة على اشتراكات الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي... وصولاً إلى المادة 39، وهي تقسيط دفع الضرائب المقتطعة عند المنبع والضريبة على القيمة المضافة، أي الـTVA التي يقبضها «التجار» من «الزبائن» ويمتنعون عن تسديدها لخزينة الدولة. في الإطار نفسه، لمناقشة هذه المادة، فُتح الحديث عن الشركات التي يقل حجم أعمالها عن 100 مليون ليرة، وتُعفى في القانون المعمول به من التصريح عن الضريبة على القيمة المضافة. ويبلغ عدد هذه الشركات، كما صرّح وزير المال داخل الجلسة، 84 ألف شركة. فطُرح، انطلاقاً من مبدأ العدالة الضريبة، تعديل القانون حتى تُصبح الشركات التي يقلّ حجم أعمالها عن 50 مليون ليرة، مُعفاة من دفع الضريبة على القيمة المضافة. إلا أنّ حزب الله وحركة أمل، اعترضا على الاقتراح. وبرّر الوزير محمد فنيش الرفض بأنّ التعديل «سيُصيب الشركات الصغيرة، ويُسبّب الضرر».
خلاصة اليوم الرابع لمناقشة الموازنة، إحكام سور الحماية حول المصارف، بانتظار إيجاد تسوية مرضية لهم. وستُستكمل الجلسات يوم الاثنين، بعد أن رفض عددٌ من الوزراء طلب الحريري عقد جلستين يومَي السبت والأحد لارتباطهم بـ«التزامات أخرى».