حتى العام 2015 - 2016، كانت آليات التعاقد مع المعلمين والأساتذة في المدارس والثانويات الرسمية قد فعلت فعلها كشكل من أشكال التنفيع السياسي والطائفي، حتى بات مجموع عدد المتعاقدين يوازي عدد أساتذة الملاك.

في بداية تلك السنة الدراسية، أجريت مقابلات شفهية تقييمية للمعلمين بهدف «ضبط التعاقد العشوائي»، بحسب ما أعلن وزير التربية آنذاك الياس بو صعب، وجرت الاستعانة بـ1899 أستاذاً اجتازوا المقابلات. يومها، قال بو صعب إنّ الاستعانة بالناجحين ستكون بصورة مؤقتة بهدف انتظام سير الدراسة، على ألا يعد ذلك شكلاً من أشكال التعاقد، ولو ترتّب عليه الحق ببدلات أتعاب يجري تأمينها من خارج موازنة وزارة التربية. هؤلاء الأساتذة سُمّوا «مستعان بهم»، ولم يستحق لهم منذ ذلك التاريخ سوى هذه البدلات اليتيمة التي باتوا يتقاضونها من الجهات المانحة أو من صناديق المدارس ومجالس الأهل لقاء ساعات العمل التي يغطونها. هم يعملون بلا عقود سنوية، وليس لديهم رقم آلي يضمن لهم أي حقوق قانونية يتمتع بها زملاؤهم المتعاقدون من الزيادة على أجر الساعة، إلى مراقبة الامتحانات الرسمية والمشاركة في الانتخابات النيابية وتقاضي بدل يوم عيد المعلم وغيرها من الحقوق.

في عدد كبير من الحالات ليس معلوماً من الجهة التي تعاقدت مع «المستعان بهم»!(مروان بوحيدر)

النقاش هنا لا يكمن في ما إذا كان لهؤلاء حق في إبرام العقود بغية التثبيت في ما بعد في ملاك التعليم أم لا، وليس البحث في مستوى الأداء الأكاديمي الذي يفترض أن تقيمه جهات تربوية، بل إن التقرير الذي أعدته المفتشية العامة التربوية، أخيراً، كشف التنامي الملحوظ لظاهرة «المستعان بهم»، بعيداً عن إعادة دراسة خريطة توزيع أفراد الهيئة التعليمية (ما عدا المناقلات التنفيعية) واستكمال الأنصبة القانونية لأساتذة الملاك، لا سيما بعد صدور قانون سلسلة الرتب والرواتب في آب 2017.
في الواقع، يتنامى التعاقد، على اختلاف تسمياته، على حساب فائض الأعمال الإدارية لا سيما النظار ومئات «المرضى» الذين لا يزاولون التعليم، وأحياناً بتقارير طبية مزوّرة، والخروق «الفاقعة» للأنصبة الأسبوعية التي يحددها القانون والتي تراوح بين 14 ساعة و20 ساعة للمرحلة الثانوية، وبين17 و24 للمرحلة المتوسطة وبين 19 و27 ساعة للمرحلة الابتدائية. في بعض الحالات لا تتجاوز ساعات التعليم لبعض أساتذة الملاك 5 ساعات أسبوعياً، لا سيما في بعض المدارس التي يبلغ فيها عدد الأساتذة ضعفي عدد الطلاب.
في السنوات الثلاث الأخيرة، لم يقر مجلس الوزراء أي عقد جديد مع أي أستاذ في التعليم الرسمي بناءً على رأي مجلس الخدمة المدنية، في حين أن تقرير التفتيش يظهر أنّ عدد «المستعان بهم» ارتفع من 1899 أستاذاً في عام 2015 - 2016 إلى 3337 أستاذاً ومدرساً في عام 2017 - 2018، أي بزيادة 1438 متعاقداً جديداً. وتبلغ الكلفة الإجمالية لهذا التعاقد في الثانويات والمدارس نحو 21 مليار ليرة. ويشرح التقرير أن 62.3% من المدارس (614 مدرسة) شهدت تعاقداً مع 2338 مدرساً بكلفة تبلغ نحو 15,5 مليار ليرة، فيما استعانت 91.1% من الثانويات (246 ثانوية) بـ999 أستاذاً بكلفة 5,6 مليارات ليرة.
المفتشية التربوية: كل تعاقد يمكن تأمينه بالملاك يعد هدراً للموارد المالية


وتفيد المستندات الواردة إلى التفتيش من المناطق التربوية ومديرية التعليم الثانوي بتعدد الجهات الإدارية التي منحت الموافقة على هذا التعاقد. ففي حين اقترن ذلك في الثانويات بموافقة الوزير منفرداً، تنوعت الجهات في التعليم الأساسي. فبعضها ارتبط بموافقة الوزير وبعضها الآخر بموافقة المدير العام للتربية أو المناطق التربوية، فيما لم يشر في كثير من الأحيان إلى الجهة التي وافقت على التعاقد.
أما في شأن المستحقات المالية، فقد أشير إلى أن مستحقات هذا التعاقد في المرحلة الثانوية جرى تأمينها من حساب مشاريع التعاون مع اليونيسيف. أما في مدارس التعليم الأساسي فقد كان القسم الأكبر منها على عاتق الجهات الدولية المانحة، فيما تولت صناديق المدارس ومجالس الأهل تسديدها في عدد من المدارس.
وفي الاستنتاجات التي يوردها التقرير أنّ التعاقد تحت مسمى «مستعان بهم» يخالف القوانين وأحكاماً تتعلق بالتعاقد، وأنّ إثبات مدى الحاجة إلى خدمة هؤلاء لا يمكن أن يتم بمعزل عن دراسة حاجات المدارس وأوضاع أفراد الهيئة التعليمية بالملاك وفقاً للأنظمة النافذة، وأن كل تعاقد يمكن تأمينه بالملاك، يعد هدراً للموارد المالية المتاحة أياً كان مصدرها: جهات مانحة وصناديق المدارس أو مجالس الأهل.