تتزايد وتيرة الاهتمام بقضية النفايات في لبنان على أكثر من صعيد. لجنتا البيئة والأشغال تناولتا الموضوع من خلفيات مختلفة. وزارة البيئة عقدت ورشتي عمل: واحدة لجمعيات الفرز والبلديات، وأخرى للاستراتيجية التي كانت (قبل تشكيل الحكومة الجديدة) قد لزّمتها إلى خبير أجنبي! نواب واتحاد بلديات المتن التقوا وزير البيئة فادي جريصاتي مع اقتراب انتهاء القدرة الاستيعابية لمطمر الجديدة، بعد امتلاء مطمر برج حمود. اتحادات بلديات أخرى تعقد اجتماعات أيضاً للبحث في كل الاحتمالات. كما يتحضر «ائتلاف إدارة النفايات» المدني لبلورة موقف موحد وخارطة طريق لمواجهة المرحلة المقبلة... إلخ.

في الوقت نفسه، يتحضّر كل أصحاب الاستثمارات العاملين في هذا القطاع لاقتطاع حصة من «كعكة النفايات»: جامعو الورق والكرتون وكل ما يمكن إعادة استعماله أو تصنيعه، وأصحاب مشاريع تحويل النفايات إلى وقود بديل لمصانع الاسمنت، والطامعون بالقيمة الحرارية لتوليد الطاقة من النفايات عبر معامل التفكك الحراري، والجمعيات التي تفرز وتبيع أو تعمل على التوعية والتدريب...إلخ، إضافة إلى مؤسسات التمويل الدولية والمحلية وسماسرة التقنيات المختلفة، من المحارق الأكثر تعقيداً إلى مسوّقي «شراشف» العزل من أجل الطمر، وأصحاب ماكينات الجمع والكنس والتشطيف والفرم والكبس واللت والعجن... ناهيك عن المخططين والمشغلين من إدارات رسمية كالوزارات أو مجلس الإنماء والإعمار وغيرها.
الكل يريد أن يعمل. والكل يريد أن يستثمر. ليست المشكلة، طبعاً، في أن تكون هناك استثمارات ومستثمرون في أي حقل من الحقول أو التقنيات المذكورة، حتى تلك الخطرة. المشكلة، أو النقص المزمن، هي في غياب استراتيجية كان يفترض أن تضعها وزارة البيئة، حسب قانون إنشائها، تحدد المبادئ والأهداف الاستراتيجية، بعد أن تدرس طبيعة النفايات ومصادرها وأنواعها وتكوينها، والوضع الاقتصادي والإمكانيات وطبيعة لبنان السطحية والجيولوجية... على أن تكون جزءاً من استراتيجية بيئية أشمل للتنمية المستدامة تأخذ في الاعتبار كل القطاعات التي تتقاطع مع بعضها بعضاً.
في وزارة البيئة، ثم في مجلس النواب، تم إقرار قانون إدارة النفايات، بشكل يرضي كل الأطراف المتسابقة على الاستثمار، أو تلك التي لا تزال تعتبر أن النفايات نقمة أو ضريبة على حياتنا الحضارية «النظيفة» جداً. وكأن مشكلة النفايات ليست جزءاً من الفساد اللبناني العام، وهو جزء من فساد المجتمعات الاستهلاكية في كل مكان! والفساد هنا بمعنى إنتاج النفايات اليومي بشكل يفوق حاجتنا إلى الغذاء لناحية الحجم. من هنا الحاجة إلى تخطيط «الدولة» وليس مجلس الإنماء والإعمار، كما وبالتأكيد ليس القطاع الخاص الذي يبغي الربح، ولا القطاع الأهلي الذي يبغي العمل. بل الدولة بوصفها «عقل المجتمع» متمثلة بوزارة البيئة، لا سيما لناحية تحمّل مسؤولية وضع الرؤية العامة والاستراتيجية ومشاريع القوانين. هي مثل مهمة العقل لضبط الشهوات غير الطبيعية التي صنعتها الإعلانات. ليس عبر القمع والتحريم، بل عبر تغيير النظام الضريبي على الإنتاج والاستهلاك للحدّ من زيادة النفايات. لذلك، يجب اعتبار «مبدأ التخفيف» مركزياً والهدف الأول في استراتيجية النفايات التي تناقش الآن في وزارة البيئة، كونه يساهم في التخفيف بنسبة 30% من حجم النفايات في بلد استهلاكي مثل لبنان، من دون الحاجة إلى كل هذه «العجقة» من الخبراء والمشتغلين في الفرز والجمع والطمر والحرق. مجرد استخدام الضريبة يخفف من النفايات، ومن الحاجة إلى جمعيات تتموّل من مؤسسات دولية ومحلية وبلديات للقيام بما يسمى عملية «التوعية» التي كانت مفهومة بعد نهاية الحرب الأهلية، وباتت اليوم تنفيعات من دون جدوى وفعالية بعد عودة الدولة والبلديات. ولعل أول اقتراح ضريبي يفترض أن تقرّه الاستراتيجية والقانون ومراسيمه، هو الضريبة البيئية على الإعلانات وشركاتها، والتي تعتبر المحرك الأساس لزيادة الاستهلاك، وبالتالي زيادة النفايات. هذه الضريبة التصاعدية يفترض أن تدفع على اللوحات المزروعة (بدل الشجر في كثير من الأماكن) وفي كل مرة يتغير محتواها، وعلى الإعلانات التلفزيونية والإلكترونية ووسائل التواصل الجبرية، وعلى أكياس النايلون وأغلفة السلع. وهي لن تطال إلا من يتلاعبون بالنوعية ويزيدون في الإنتاج والتسويق، وفي الاستهلاك غير الضروري.
النقاش في إسباب زيادة حجم النفايات في لبنان بمعدلات تتجاوز المعدلات العالمية في البلدان الغنية والفقيرة (أكثر من كيلوغرام للفرد في اليوم) هو النقاش الحقيقي والعميق الذي ينبغي أن يكون موضع بحث، في وزارة البيئة كما في اللجان النيابية، حتى لا يخرج علينا أحدهم، كما فعل رئيس لجنة الأشغال نزيه نجم أول من أمس، بتصريحات «مُفحمة» عندما سأل: ماذا يريد المعترضون على المحارق إذا كانوا يتحفظون عليها وعلى المطامر والمكبات؟ من دون أن يكلّف نفسه عناء السؤال: من أين جاءت كل هذه النفايات في حياتنا اليومية، وكيف ملأت البيوت والشوارع والوديان والأنهر والبحر والمطامر، وهل من سبيل إلى خفض كمية النفايت أولاً قبل البحث في أين نذهب بها؟