نشرت «الاخبار»، أمس حلقة ثانية من الكتاب الجديد لسفير لبنان السابق في واشنطن الدكتور عبدالله بوحبيب «اميركا القِيَم والمصلحة، نصف قرن من السياسات الخارجية في الشرق الاوسط». يتناول الكتاب مراجعة للسياسة الاميركية في دول الشرق الاوسط، ومن بينها لبنان، طوال نصف قرن خلت منذ عهد الرئيس ريتشارد نيكسون وصولا الى عهد الرئيس باراك اوباما، مع خاتمة تعرض قواعد السياسة الخارجية للرئيس الحالي دونالد ترامب. لكن مع استفاضة في تحديد معالم سياستي الرئيسين جورج بوش الابن وأوباما، والخيارات والقرارات ومظاهر النجاح والفشل التي رافقتاها. حلقة أمس تناولت علاقة الرئيس باراك اوباما بالسعودية التي ترجحت بين طرفي التحالف والصداقة، وكانت مشوبة بكثير من التناقض والتنافر. الحلقة الأخيرة اليوم تتناول علاقة الرئيس الاميركي بيل كلينتون بالرئيس السوري حافظ الاسد، الذي التقاه ثلاث مرات، وقيادته مساعي انجاز سلام دائم بينه واسرائيل، اخفقت حتى اللحظات الاخيرة في حياة الرئيس السوري الذي ربط توقيعه بالاستجابة لشروطه بالعودة الى خط الرابع من حزيران 1967. خلاف على مئات الأمتار حال دون وصول المفاوضات الى النتائج المتوخّاة. كما تتناول هذه الحلقة المفاوضات الفلسطينية - الاسرائيلية في كامب ديفيد التي أخفقت هي الأخرى، بعد رفض الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات التخلي عن «حق العودة» للاجئين الفلسطينيين الى قراهم وبلداتهم، وتشبّث رئيس الحكومة الاسرائيلية ايهود باراك بضم 9% من اراضي الضفة الغربية المتاخمة لاسرائيل.


ساءت الاحوال بمجيء بنجامين ناتنياهو الى رئاسة الحكومة الاسرائيلية، خصوصاً انه كان يعتبر منظمة التحرير غير صادقة في سعيها الى السلام، وان اتفاق اوسلو - بالنسبة اليه - خطة فلسطينية مرحلية لتدمير اسرائيل، من ثم أبطأت حكومته في تنفيذ الاتفاقات المعقودة. لكن الضغوط الاميركية والدولية حملته على توقيع اتفاق الخليل في ايلول 1997، والذي خرجت بموجبه القوات الاسرائيلية من مدينة الخليل في الضفة الغربية وحلّت مكانها قوات أمن فلسطينية.
استدعى استمرار عملية السلام خلال فترة حكومة ناتنياهو التزاماً وتدخّلاً اميركياً، من كلينتون بالذات، بأن دعا الى خلوة في «واي ريفر»، القريبة من واشنطن، مع ناتنياهو وياسر عرفات في تشرين الاول 1998، قَبِلَ بموجبها رئيس الوزراء الاسرائيلي بانسحاب قواته من بعض مناطق الضفة، في مقابل قيام عرفات بجهد لوقف الهجمات الانتحارية الارهابية وشطب فقرة «تدمير اسرائيل» من الميثاق الوطني الفلسطيني.
تلبية لوعده عرفات، زار الرئيس الاميركي قطاع غزة في كانون الاول 1998 بعد اجتماع المجلس الوطني الفلسطيني وشطبه فقرة تدمير اسرائيل. الا ان هذه الاتفاقات لم تعثر على طريقها الى التنفيذ. اذ ان بعض حلفاء تكتل الليكود المتطرف رفضها، ما حمل ناتنياهو على الاستقالة والدعوة الى انتخابات نيابية في ايار 1999، أعادت حزب العمل وحلفاءه الى الحكم. تفاءل كلينتون وادارته مرة اخرى بهذا الحدث، فاتحة سعي حثيث الى ارجاع الزخم الضروري الى مسيرة السلام.
بازاء المسار السوري، زار رئيس فريق السلام دنيس روس دمشق في اوائل تموز 1996، حاملاً معه اقتراحاً من ناتنياهو بالعودة الى المفاوضات «من دون شروط مسبقة»، رفضته سوريا مصرّة على استمرار المفاوضات من حيث توقفت مع اسحق رابين ووديعته المحتفظ بها كلينتون، وانهاء البحث في الترتيبات الامنية عند حدود البلدين. لاحقاً، في ايلول، وجه كريستوفر رسالة سرّية الى ناتنياهو يعفي فيها اسرائيل من كل الاتفاقات المبدئية، غير الرسمية، التي وصلت اليها المفاوضات بين سوريا وحكومة رابين. كان ذلك قبل ستة أسابيع من الانتخابات الرئاسية الاميركية (تشرين الثاني 1996)، فيما كلينتون مرشح لولاية ثانية.
ثمة حكايات ثلاث عن ناتنياهو ذكرها آرون ميللر في كتابه، وقعت خلال فترة حكمه القصير:
اولها، انه في اول اجتماع له بكلينتون صيف 1996 ألقى عليه «محاضرة» عن الشرق الاوسط، فكانت ملاحظة الرئيس لمعاونيه بعد انتهاء الاجتماع «مَن (اللعنة) يعتقد نفسه؟ هل هو رئيس القوة العظمى؟». لم تكن العلاقة الشخصية بينهما على ما يرام، الا ان علاقة الرئيس الاميركي برابين وبيريز وباراك كانت ممتازة.
ثانيها، التقى ناتنياهو عرفات وصافحه بعدما وعد الاسرائيليين خلال الحملة الانتخابية انه لن يجتمع به، ناهيك بمصافحته.
ثالثها، ان اتفاق «واي ريفر» الذي فرضه كلينتون عليه عجّل في استقالة حكومة الليكود ومجيء حزب العمل الليبرالي الى الحكم. كذلك، فإن الاتفاق، وإن لم ينفذ، منع الانفجار الذي وقع بعد اقل من عامين.
لكن التفاؤل الذي رافق مجيء ايهود باراك الى رئاسة الحكومة لم يأتِ بالثمار المرجوة. اعتقد باراك ان الظروف متوافرة لتنفيذ استراتيجيا سلفه رابين، الداعية الى البدء بسوريا، كون السلام معها يساعده على انسحاب سلمي من لبنان. كان وعد ناخبيه خلال حملة الانتخابات النيابية بالانسحاب الكامل من لبنان، معتبراً ان السبيل الى ذلك عبر اتفاق سلام مع سوريا، في ظل تعذّر اتفاق كهذا مع لبنان ما لم يسبقه التفاهم مع جارته.

تأخر لقاء الاسد وكلينتون خمس ساعات في انتظار ما سيحمله دنيس روس من ايهود باراك


ذكر ميللر في كتاب «الارض الموعودة كثيراً» ان باراك رأى نفسه رجلاً فرض عليه التاريخ مهمة انهاء صراع اسرائيل مع العرب. تصرّف كأن غيره، وهنا الاسد وعرفات، لن يتمسك بموقفه عندما يسمع منطقه وعروضه. راح الاميركيون يدعون الى اجتماعات مع الرئيس السوري او الزعيم الفلسطيني جراء تفكير باراك في مبادرة جديدة. لكنه كان يعطي ما عنده في اللحظة الاخيرة لكلينتون، ومن ثم لا يفسح في المجال امام الخبراء تحليلها والاشارة الى ما قد يُقبل او لا يُقبل منها.
بدأت اجتماعات باراك مع عرفات في تموز 1999، وتوصّلا في ايلول الى اتفاق يقضي باستمرار اعادة انتشار القوات الاسرائيلية من الضفة، والاتفاق على اطار بحث القضايا العالقة خلال ستة اشهر. ما لبث باراك في الخريف ان أعلم الاميركيين بأنه سيعمل على اتفاق نهائي مع سوريا، تاركاً الفلسطينيين وشأنهم.
وافق كلينتون على اقتراحه، معتبراً ان من السهل لرئيس حكومة اسرائيل اقناع شعبه باتفاق مع سوريا مقارنة بآخر مع الفلسطينيين، خصوصاً ان الاتفاق مع دمشق يتبعه آخر مع لبنان. منذ عام 1978، سعت الحكومات الاسرائيلية المتعاقبة الى الانسحاب من لبنان، شرط توافر الامن حسب توصيفها على الحدود الشمالية.
بدا باراك كأنه لم يدرس مسار المفاوضات مع سوريا. عقدت اجتماعات عدة ثنائية وثلاثية بين الاميركيين والسوريين والاسرائيليين من دون نتيجة. اجتمعت وزيرة الخارجية الاميركية مادلين اولبرايت بفاروق الشرع في دمشق ونيويورك وواشنطن، واتصل كلينتون بالاسد مرات، كما اجتمع بالشرع اكثر من مرة. عقدت اجتماعات بين خبراء سوريين واسرائيليين برعاية اميركية، كما عقد اجتماعان اساسيان بين باراك والشرع في حضور كلينتون و/او اولبرايت، الاول في كانون الاول 1999 في قصر الضيافة بلير هاوس، والثاني خارج واشنطن في منتجع شبردزتاون في ولاية وست فرجينيا في كانون الثاني 2000. كان كلينتون يفتتح الاجتماعات في حضورهما، ويترك ادارتها لاولبرايت، وهي دارت حول نقطتين اساسيتين:
اولاً - ترسيم الحدود بين البلدين. بينما اصرت سوريا على «وديعة رابين» التي تؤكد قبول اسرائيل بالانسحاب الكامل الى حدود 4 حزيران 1967، اراد باراك تنازل سوريا عن بضعة امتار على بحيرة طبريا امتلكتها منذ 1926 باتفاق فرنسي - بريطاني.
ثانياً - محطة إنذار ارضية. بينما اصرت اسرائيل على وجود محطة إنذار على الجولان، ارتأت سوريا انه لا حاجة الى محطة كهذه بوجود تقنيات حديثة يمكنها مراقبة الجولان من الجو. بعد اصرار كلينتون على ايجاد حل، اقترح الشرع نقطة مشتركة على الحدود السورية - اللبنانية - الاسرائيلية لم ترتح اليها الدولة العبرية.
بُحث التطبيع وسواه من المواضيع كتحسين العلاقات. اقترح كلينتون اكثر من مرة على الشرع مصافحة باراك، بيد انه كان يرفض، واعداً بها بعد التوصّل الى اتفاق. كان لكل من الوفدين في بلير هاوس وشبردزتاون جناح خاص. يلتقيان فقط في الاجتماعات، عكس ما كان يحدث في الاجتماعات مع الفلسطينيين والمصريين في المفاوضات من مشاركة حقيقية الى موائد الطعام ومشاهدة افلام سينمائية وفترات استراحة مشتركة.
بحسب تقييم الشرع في كتابه «الرواية المفقودة»، كانت مواقف المشاركين الاميركيين، المعنيين مباشرة بالمفاوضات، مختلفة. بينما بدا دنيس روس ميالاً ومتيقظاً وحارساً للموقف الاسرائيلي، حاولت اولبرايت ان تلعب دور الحَكم غير المنحاز. بدوره كلينتون عمل دائماً على اقناع الاسد والشرع بتفهّم موقف باراك، مع انه كان مقتنعاً بوجهة النظر السورية.


عمل باراك على احراج الشرع بسؤاله عن امكان اجراء اسرائيل مفاوضات مع لبنان متزامنة مع المفاوضات مع سوريا، فأجابه كلينتون فوراً: «لن نتمكن من توقيع اتفاق مع لبنان ما لم توافق عليه سوريا».
عقّب الوزير السوري بحماسة: «يتشجع اللبنانيون في الانضمام الى المحادثات عندما يرون الموافقة على الانسحاب من كل الجولان».
كنّ الاسد لكلينتون مودة خاصة منذ لقائهما الطويل عام 1994 في جنيف، ومحادثتهما القصيرة في عمان في اثناء جنازة الملك حسين. عندما اتصل به الرئيس الاميركي في 7 آذار 2000 واقترح عليه الاجتماع بعد يومين، رحب بعدما لفته الى انه - منذ اتصاله الاخير به (18 كانون الثاني) - هو على اتصال مع باراك لتلبية حاجات سوريا، ولا يسعه «التحدّث في هذا الموضوع على الهاتف، لأن لديه معلومات محدّدة يريد نقلها شخصياً اليه وبالتفصيل لئلا ينشأ اي سوء فهم».
لما كان الاسد في خضم تشكيل حكومة جديدة لبلاده، اتفقا على ان يجتمعا بعد زيارة كلينتون جنوب آسيا في 26 آذار في جنيف.
في المكالمة الهاتفية في 18 كانون الثاني، قال للاسد ان اجتماعات شيبردزتاون كانت مخيّبة للآمال لأن الاسرائيليين لم يظهروا مرونة. ثم نقل اليه طلباً من باراك ببدء المحادثات مع لبنان، فكرّر الاسد ما قاله الشرع له عن هذا الموضوع، واضاف: «تجارب لبنان مع اسرائيل لم تُنسَ بعد».
موعد الاجتماع في جنيف العاشرة صباحاً. لكنه تأخر الى ما بعد الثالثة بعد الظهر بسبب انتظار الرئيس الاميركي مجيء دنيس روس من اسرائيل لمعرفة ما يحمله من رئيس وزرائها. كان كلينتون ينتظر من باراك، من الليلة السابقة او في الصباح الباكر ليوم الاجتماع، اقتراحاً. الا ان روس اتى به ظهر ذلك اليوم.
قضى الاتفاق بأن يحضر الاجتماع مع الرئيسين وزيرا الخارجية والمترجمان. عندما دخل الاسد وكلينتون قاعة الاجتماعات معاً، كان روس لا يزال هناك. استفسر الاسد، فأجابه كلينتون انه يحمل خارطة للجولان وسيخرج بعد شرحها. كان الرئيس السوري معجباً بروس عندما التقى به على انفراد عام 1993 كي يشرح له وديعة رابين. لكن مع الوقت خسر روس ثقته.
استهل كلينتون الكلام مشيراً الى انه «كان للتو على اتصال مع ايهود باراك الذي ابدى مرونة وتفهمّاً لمطالبكم. هو على استعداد لاعادة كل الجولان الى سوريا باستثناء شريط يبعد عن بحيرة طبريا حوالى 500 متر وربما 400 حسبما تتفقون عليه». خسر وقتذاك كلينتون انتباه الاسد الذي ما لبث ان اقترح ترك بحث التفاصيل الى وزراء الخارجية وخرج من الاجتماع.
اعتقد الشرع ان تصرّف كلينتون وباراك ربما انطلق من معرفتهما بالوضع الصحي المتردي للاسد، كما لو انه يريد انهاء المشكلة قبل مغادرته الحياة. ربما كان ذلك سبب تأخير الاجتماع كونه يشكل عاملاً مهماً وفي ظنهما ان الرجل قد يقبل بما رفضه سابقاً ومرات. لكن بدا ان الشخصية المترددة لباراك كانت العامل الاهم. لا يعرف ماذا يريد، والواثق جداً بنفسه لاعتقاده ان ما يقدّمه سيقنع محاوره، كما وصفه ارون ميللر. بدا كأن تأخير بدء اجتماع الرئيسين في جنيف سببه ان كلينتون لم يكن يعرف ماذا سيقترحه رئيس حكومة اسرائيل عليه عندما طلب منه الاجتماع بالاسد وعرض اقتراحه.
وصل اقتراح باراك مع روس الذي حطّ في جنيف متأخراً. جراء ذلك وجب تأخير الاجتماع اكثر من خمس ساعات. كان على كلينتون ان ينقل الاقتراح كما هو، ويحاول تسويقه لدى الرئيس السوري. الاهم من ذلك، لا يسعه انتقاد باراك بعدما قَبِلَ بدوره هو كـ«ميّسر» للاقتراحات الاسرائيلية، وخصوصاً تلك التي صدرت عن رابين وبيريز وباراك. لم يسعَ ايضاً الى الاضطلاع بدور الحَكَم او الوسيط النزيه كما كانت الحال من نيكسون الى بوش الاب.
قَبِل الاسد دعوة نظيره الاميركي لاعتقاده انه يحمل معه موافقة اسرائيلية على الشروط التي وضعها منذ البدء، وشدد عليها في كل الاجتماعات من مدريد الى شيبردزتاون. لذلك، رغم مكابدته الصحية، توجّه الى جنيف وهو ينتظر اقتراحاً يعيد الحدود مع اسرائيل الى ما كانت عليه عشية حرب حزيران 1967. كان الاسرائيليون يعرفون بتدهور صحته، ما حمل باراك - ربما - على عدم تغيير موقفه. رفض الرئيس السوري اقتراح رئيس الحكومة الاسرائيلية تبعاً لما تقدّم به الرئيس الاميركي، من ثم توقفت المفاوضات بين البلدين. لم تنقضِ اشهر قليلة توفي في 10 حزيران 2000.
انتخب خلف لحافظ الاسد في 10 تموز باستفتاء شعبي ومراقبة دولية، ونجح نجله الدكتور بشار الاسد بأكثرية شعبية كبيرة. انتهت ولاية كلينتون بعد حوالى ستة اشهر من تسلم الاسد الابن زمام الرئاسة السورية، وكانت الاتصالات بين الدولتين في شأن مسيرة السلام انقطعت منذ اجتماع جنيف. لم تجرِ اتصالات جديدة بين كلينتون وبشار الاسد، اذ انشغل الرئيس الاميركي بمفاوضات باراك وعرفات.
كان المسؤولون الاميركيون، والاوروبيون كذلك، يحترمون حافظ الاسد، وعبّر عن ذلك كلينتون اذ صرح في وفاته: «كانت لدينا خلافاتنا، لكنني كنت دائماً احترمه لأنني شعرت بأنه كان صريحا ومباشرا». اضاف الرئيس الاميركي الذي التقى نظيره السوري ثلاث مرات: «انني آسف على ان السلام لم يتحقق في حياته، وآمل في انه لا يزال من الممكن تحقيقه بسبب الالتزام الذي قطعه على نفسه».
اقترح كلينتون اكثر من مرة على الشرع مصافحة باراك فوعد بأن يفعل بعد التوصّل الى اتفاق


حمل فشل التوصل الى اتفاق سلام مع سوريا رئيس حكومة اسرائيل على الانسحاب من لبنان في 25 ايار، من دون تنسيق حتى مع حليفه «جيش لبنان الجنوبي». بعد ذلك عاد باراك الى التركيز على اتفاق مع السلطة الفلسطينية، وطلب من كلينتون الدعوة الى عقد قمة ثلاثية في المنتجع الرئاسي الاميركي في كامب دايفيد في تموز 2000، تضمّه وصاحب الدعوة ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات.
حاول كلينتون اقناع باراك بالتحضير المشترك قبل انعقاد القمة الثلاثية، خصوصاً ان عرفات لم يكن ايضاً متحمّساً للذهاب الى كامب دايفيد، بعد تجاهل رئيس الوزراء الاسرائيلي له، وتركيزه على سوريا. لكن باراك اصر على الاجتماع، زاعماً ان لديه افكاراً جديدة للتوصّل الى حل دائم مع الفلسطينيين. رضخ كلينتون لإلحاحه وأقنع الزعيم الفلسطيني بالحضور.
كان عرفات يعرف ان باراك، بعد فشله مع سوريا، في حاجة الى اتفاق سلام معه لتبرير بقاء حكومته. ذهب الى كامب دايفيد مصمّماً على عدم التساهل حيال رسم الحدود. كانت حدود اسرائيل مع مصر قد عادت الى ما كانت عليه عشية حرب حزيران 1967، وأخفقت المفاوضات مع سوريا جراء اصرار الاسد على العودة بها ايضاً الى حدود ذلك الوقت. اذذاك لم يعد يسع عرفات القبول بما هو دون ذلك، رغم العرض الذي قدّمه له باراك، وكان الافضل منذ بدء المفاوضات. الا ان الظروف تغيّرت، خصوصاً ان رئيس الوزراء الاسرائيلي كان عرض على الاسد اعادة 99% من الجولان من دون تطبيع كامل للعلاقات، في وقت كانت سوريا تدعم حزب الله لمحاربة الدولة العبرية في جنوب لبنان.
بسبب تعنّت تبادله الفريقان، أخفقت قمة كامب دايفيد. رفض عرفات التخلي عن «حق العودة» للاجئين الفلسطينيين الى قراهم وبلداتهم، وتشبّث باراك بضم 9% من اراضي الضفة الغربية المتاخمة لاسرائيل. مع ذلك، انطوى مشروع رئيس الحكومة الاسرائيلية على عناصر ايجابية منها:
• عودة القدس الشرقية الى الفلسطينيين كي تصبح عاصمة دولتهم العتيدة.
• عودة فلسطينيي الشتات الى الضفة وغزة.
• ازالة مستوطنات غزة ومعظم مستوطنات الضفة.
• رعاية السلطة الفلسطينية المسجد الاقصى.
تشوّق باراك لاتفاق فيما عرفات متردد. لم تكن لدى كلينتون خطة او اجندة للمساهمة في انجاح المؤتمر، كما فعل في واي ريفر. رفض باراك مفاوضات ثنائية مباشرة مع عرفات، او ثلاثية في حضور كلينتون، فعمل الاخير مع معاونيه ميسّراً الاقتراحات الاسرائيلية. مقارنة باجتماع كامب دايفيد عام 1978، لم يتمثل عرفات بأنور السادات، ولا ايهود باراك بمناحيم بيغن، ولم تكن بين يدي بيل كلينتون مسودة مشروع اتفاق ولا استراتيجيا مسبقة لانجاح المؤتمر كما فعل جيمي كارتر.

* يوقّع السفير السابق في واشنطن الدكتور عبد الله بوحبيب كتابه «أميركا القِيَم والمصلحة، نصف قرن من السياسات الخارجية في الشرق الاوسط» غداً، في اطار المهرجان اللبناني للكتاب في مقر الحركة الثقافية في انطلياس.



البنك الدولي
لم يكن نشوء السلطة الفلسطينية ومؤسساتها في الضفة الغربية وقطاع غزة قراراً سياسياً فحسب. انما كانت ثمة جهود مكثفة من المنظمات الدولية والمؤسسات الانمائية للدول المانحة لمساعدة بنائها وانطلاقها. من هذه المنظمات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي والامم المتحدة ومؤسساتها المختلفة والاتحاد الاوروبي والوكالة الدولية (الاميركية) للتنمية والنروج وغيرها. جميعها شاركت في دعم السلطة الفلسطينية الجديدة لبناء مؤسساتها الاقتصادية والمالية والاجتماعية. كانت المساعدات مالية، وتقنية، وعينية، واستشارية لدعم بناء الادارة الفلسطينية وانطلاق العمل الاداري والانمائي في الضفة الغربية وقطاع غزة.
كنت أتلقى من الاعلاميين في واشنطن، بعد الاعلان عن اتفاق اوسلو سيُوقَع في البيت الابيض صباح 13 ايلول، اتصالات كثيرة تطلب معلومات عن التقرير الاقتصادي للبنك الدولي، وكانت سياسة البنك تقضي بعدم الافصاح عن اي معلومات من تقاريره، وترك ذلك الى الدولة المعنية. لكن فلسطين لم تكن دولة في اعتراف الامم المتحدة، من ثم لا يمكنها الانضمام الى عضوية البنك الدولي او صندوق النقد الدولي، ولا يمكنها الاستفادة من خدمات البنك المحصورة بالدول الاعضاء.
فكرتُ كثيراً في طلبات الاعلاميين، وبتُ مقتنعاً بأن من مصلحة الفلسطينيين اعطاء معلومات عن التقرير الى وسائل الاعلام، وذلك لا يضر بالبنك الدولي. كنت اعرف ان نائب الرئيس لن يقبل بتجاوز قوانين المؤسسة وأعرافها إن تقدمت اليه باقتراح كهذا. لذلك، قررت بعد التشاور مع زميل فلسطيني، اعطاء مؤشرات عن التقرير لإعلامي في احدى وكالات الاخبار الاميركية. لم أنم ليلتذاك. صباح اليوم التالي كانت المؤشرات الخبر الرئيسي والمانشيت في صحيفة «واشنطن بوست»، فاستدعي نائب الرئيس على عجل الى مكتب رئيس البنك، وعاد الى مكتبه بعد نهاية الدوام. كنت انتظره بحرارة وحذر. قال لي انه امضى النهار يجيب عن اسئلة ويشرح ويفسر للمعنيين من كل الدول والاعلاميين الكبار عن التقرير، وكان يعرفه بشموليته. اخبرني ان مكتب الرئيس كان مسروراً للاهمية التي أُعطيت للتقرير، وانه سئل عمن سرّب المعلومات الى «واشنطن بوست»، فكان ردّه انه ليس من مكتبه. ابتسمت، ثم قلت له بعد تردد، رداً على استغرابه، انني اعمل بما اقتنع انه لمصلحة البنك والدولة المعنية. كان ذلك في 12 ايلول 1993، قبل يوم من احتفال البيت الابيض باتفاق اوسلو.