ندوة غرفة التجارة والصناعة والزراعة، بالتعاون مع «مؤسسة إبراهيم عبد العال للتنمية المستدامة»، في 21 الشهر الماضي حول «المياه والسياحة»، لم تكسر الصمت عن استهلاك القطاع السياحي للمياه. لا أرقام جديدة، ولا مسوحات حقيقية، إن لجهة انواع المرافق السياحية ولا أعدادها ولا حجم استهلاكها للمياه العذبة، وطريقة هذا الاستهلاك الشرعية وغير الشرعية من المياه السطحية أو الجوفية...إلخ. والى هذا النقص في المعلومات، فإن كل الارقام التي ذكرت في الندوة تحتاج الى تدقيق، كالادعاء أن منطقة بيروت وجبل لبنان تحتاج الى نصف مليون متر مكعب من المياه، مع العلم بأن مصلحة مياه بيروت وجبل لبنان كانت قد أعلنت أن عدد مشتركيها يقارب 392 ألفاً. وإذ يفترض الأخذ في الاعتبار الفروقات الأكيدة بين الاشتراكات المنزلية (ما يقارب متراً مكعباً) وغير المنزلية التي تفوق هذا الرقم، فإن أحداً لا يعلم ما هو حجم السحب من الآبار الجوفية، ولا كمية المياه التي تُنقل بالصهاريج من المناطق المحيطة بالعاصمة، خصوصاً للمؤسسات المصنفة سياحية، والتي يصل استهلاك الواحدة منها أحياناً الى ما يعادل استهلاك أحياء سكنية ضخمة بكاملها! كما أن بعض الإحصاءات يؤكد أن السائح يستهلك أربعة أضعاف ما يستهلكه المواطن العادي من المياه، وأن غرفة في فندق يمكن أن تستهلك بين 800 و2000 ليتر يومياً، فضلاً عن الكميات الضخمة التي تذهب الى المسابح والمنتجعات صيفاً، أي في وقت الشح وحاجة المواطنين الماسّة الى المياه!

رغم ذلك، لا وجود لاستراتيجية سياحية مستدامة، من ضمن استراتيجية شاملة للتنمية المستدامة يفترض أن تدمج بين القطاعات وفي طليعتها قطاع المياه. وإذ يتحدث البعض في وزارة السياحة أو في نقابة أصحاب الفنادق عن «أهداف استراتيجية» لاستقبال مليون سائح في السنة، فإن المفترض إقرار مثل هذه الاستراتيجية لوضع ضوابط على استهلاك الطاقة والمياه في القطاع السياحي.
يجزم البعض بأن القطاع السياحي الذي يسهم في 20% من الدخل الوطني مرتبط بقطاع المياه من نواح عديدة. وهذا صحيح. إلا أن هذا البعض لا يزال يعتبر ان مشاريع السدود السطحية يمكن أن تسهم في تشجيع وتنشيط الاستثمارات السياحية حول بحيرات السدود الاصطناعية. ويبدو أن هؤلاء لم يتعلموا أي درس بعد من تجربة سد القرعون، وكيف ضُربت «السياحة» حوله بعد تلوّث مياه بحيرة السدّ، والنهر عموماً!
كما يبدو واضحاً من المشاريع المقدمة للتمويل من ضمن «سيدر»، لا سيما الاستدانة من أجل مشاريع السدود ومعالجة مياه الصرف، فإن من أعدّ هذه اللائحة لا يعرف حجم الارتباط العضوي بين كلفة تأمين مياه الشرب وكلفة معالجة مياه الصرف، وما ينجم عن ذلك من أضرار وكوارث صحية واقتصادية وسياحية. كما يبدو أن العقل الذي يخطط لإدارتهما ليس واحداً وشاملاً.
ليست المشكلة في سوء إدارة قطاعي المياه والسياحة، ولا هي ناجمة عن تدخلات أصحاب المصالح، او الادارات الرسمية العفنة، او من خصوصيات القطاع الخاص وطمعه فقط... بل في أنها باتت تدار ايضاً من جمعيات تأخذ من مفاهيم عامة مثل «التنمية المستدامة» غطاءً لها، وتروج لمشاريع، أقل ما يقال فيها إنها تتناقض مع كل مبادئ الاستدامة. وإلا، ما الذي يفسر إصرار هؤلاء على اعتبار السدود السطحية جزءاً من السياسات المائية الحميدة والمكابرة بعدم الاعتراف بموت بحيرة القرعون بسبب التلوث ووجود السد؟!
الدرس الأول الذي يُفترض استخلاصه، في موضوع المياه، هو أن هذا القطاع جزء لا يتجزأ من نظام إيكولوجي متكامل، وأن ضرب أي عنصر من عناصر هذا النظام يؤدي حتماً الى تدهوره ومن ثم موته، وأن من الخصائص الأساسية لمياه الانهار هو جريانها (وتجددها) الذي لا يفترض أن يتوقف الا في البحر. وهذا (البحر) ايضاً جزء من هذا النظام، ويمكن أن يموت بدوره إذا لم تتدفق اليه الانهر مع كل ما تحمله من مغذيات، وليس من ملوثات، كما أن للأنهار حرماً، وضفافها تعتبر أملاكاً عامة لا يفترض استباحتها بحجة تنشيط السياحة، ولا قطع جريانها بحجة دعم الزراعة.
وبالمناسبة، ليس بالمياه وحدها تعيش الزراعة والسياحة. بل بسياسات تنموية متكاملة في ما بينها بكل عناصرها، مع التشديد على دور الدولة في حماية المصادر من التلوث والاستنزاف، وترشيد الاستخدام في القطاعات كافة، لا سيما الزراعة والسياحة، ودعم الزراعات العضوية والبعلية الموفّرة والسياحة البيئية والاجتماعية المستدامة. وهناك دائماً امكانية لتنمية المناطق، والاستفادة المعتدلة من المياه الجارية، من دون استنزاف هذا المورد وتلويثه أو الاعتداء على مجاريه.