يتصرف تيار المستقبل والرئيس سعد الحريري مع فتح حزب الله ملف الحسابات المالية، وكأنها مفاجأة غير محسوبة، تماماً كما في فتح موضوع النازحين السوريين والعلاقة مع سوريا على طاولة مجلس الوزراء وخارجها. وحاولا وفق ذلك تصوير ما يجري على أنه استهداف لهما وللرئيس الراحل رفيق الحريري.

الواقع مختلف تماماً. لأن العودة إلى مرحلة ما قبل الانتخابات النيابية، تدل على أن ما يحصل اليوم تتمة للمسار الذي بدأ قبل 7 أيار عام 2018. لكن المشكلة أن تيار المستقبل كما القوى السياسية الأخرى، كانت مشغولة بالمهاترات الانتخابية وبتبادل التهم لتحصيل أصوات الناخبين، فلم تعر أهمية لأداء حزب الله في الانتخابات وما بعدها.
منذ أن بدأ الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله يطل إعلامياً في مرحلة التحضير للانتخابات، كان يتحدث عن فتح حزب الله معركة الفساد ومكافحة الهدر وتحصيل الحق العام. بصرف النظر عمن يقف مع هذا الكلام أو ضده، والسبب الحقيقي وراءه، إلا أن الحزب كان واضحاً في إشهار موقفه. فعودته السياسية إلى الداخل اللبناني، ودخوله بقوة على خط الانتخابات وتشكيل الحكومة لاحقاً، وفرض حضوره كطرف أساسي في كل المفاوضات منذ التسوية الرئاسية، دلت على أنه لن يكون واقفاً على الحياد في الموضوع المالي والاقتصادي. وهو عبّر مراراً عن استعداده لمرحلة جديدة في محاربة الفساد والهدر وكل ما يمت بصلة إلى هذا الملف، مهما كانت تشعباته، ومهما طاول من مسؤولين سابقين وحاليين.
مشكلة تيار المستقبل والحريري، أنهما لم يأخذا هذا الكلام بجدية، تماماً كما حصل لاحقاً مع مطالبة الحزب بتمثيل سني من قوى 8 آذار في الحكومة، واعتبراه أداةً كلامية، على رغم أنه كان خطوة متقدمة في خطاب الحزب، الذي أعطى أكثر من مرة إشارات واضحة على أنه لن يتراجع عن وضع يده على هذا الملف نيابياً ووزارياً. لم يع الحريري أن الحزب طالب علناً بوزارة التخطيط، وظن أن التسوية الرئاسية، والتحالف مع رئيس الجمهورية والوزير جبران باسيل، تعني أن «الإبراء المستحيل» نام في أدراج الحزب بعدما نام في أدراج التيار الوطني. كذلك فإن مناقشات المجلس النيابي صبت كلها في اتجاه مواجهة الهدر ومحاربة الفساد، حتى أن نواب الكتل السياسية المعارضة والموالية انجروا إلى المناقشة عينها.
في الأيام الأخيرة، ومنذ جلسة مجلس الوزراء، بدا الحريري أنه استوعب أن متغيراً جديداً يطل على الواقع الداخلي، بدءاً من موقف رئيس الجمهورية الذي لم يكن في صفه، عندما فتح ملف النزوح السوري والعلاقة مع سوريا، فاتخذ الحريري موقفاً متشنجاً من دون أن يتحدث في مجلس الوزراء. ومنذ تلك الجلسة والأمور تتفاقم في كواليس المستقبل ومحيط الحريري. ومع تقدم ملف الحسابات إلى الواجهة، في وقت واحد (بعد قرار المجلس الدستوري)، أيقن الحريري أن فترة «الغنج» السياسي انتهت، وأنه بات أمام تحديات مكلفة مهما كان أداؤه فيها. لكنه بات أيضاً على يقين أنه عاجز عن اتخاذ خطوات حاسمة تعيد تصويب الأمور إلى مكانها الصحيح.

يُدرك الحريري أن أي مواجهة مع عون وحزب الله ستكون مكلفة


ففي ذهن بعض أركان «المستقبل» أن تدحرج الأمور كما ظهر بعد أيام قليلة على تأليف الحكومة، يشبه مرحلة الرئيس اميل لحود، حين استهدف الحريري الأب أكثر من مرة. لكن عارفي الحريري الابن، من حلفائه وخصومه على السواء، يعرفون أيضاً أنه لن يقدم على ما أقدم عليه والده، لجهة الاستقالة، مهما أحرجته الضغوط السياسية. فالحريري واقع تحت تأثير مؤتمر «سيدر» وتبعاته ووعوده، إضافة إلى ضغوط عربية ودولية، ناهيك عن شخصيته المختلفة تماماً عن شخصية والده، فلا يقدم على خطوة تصعيدية.
لذا من المتوقع أن يكتفي الحريري وتيار المستقبل، باستخدام خطاب تحذيري لرفع العتب، ولو استخدمت فيه عبارات الغدر والاستهداف، سواء مع صدور قرار المجلس الدستوري وإبطال نيابية النائبة ديما جمالي وحدها، على رغم أن طعوناً أخرى كانت مرشحة للقبول في دوائر أخرى، أو مع الكلام عن نبش دفاتر الحسابات المالية. وكان بيان كتلة المستقبل واضحاً حين استخدم أدبيات مرحلة سابقة، واستعاد حضور الرئيس فؤاد السنيورة الذي سبق أن أبعده الحريري بنفسه عن النيابة وعن المشهد السياسي لتيار المستقبل. حتى امتعاضه من موقف رئيس الجمهورية، التف عليه بنفسه أمس في مجلس الوزراء، بعدما حاول في الأيام الأخيرة بث الحرارة في علاقته مع حليفيه التقليديين الرئيس نبيه بري ووليد جنبلاط.
وإذا كان فتح الملفات المالية يذكر بعهد الحريري الراحل وخليفته السنيورة، فإن ملف النزوح السوري يرتد على رئيس الوزراء الحالي، وهو الذي حمل هذا الملف من اللحظة الأولى في تعارض جلي مع رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحر. لكن الحريري يتحمل أيضاً تبعات تردد فريقه وتردده، كما إنشاء وزارة خاصة بشؤون النازحين في حكومته الأولى، وها هو يتخلى عنها لصالح فريق 8 آذار. وهو يعرف أن عون لن يتهاون في مقاربة ملف النزوح، وتأييد العلاقة مع سوريا، ليس بسبب موقف حزب الله، بل لأن تلك واحدة من قناعاته الأساسية قبل أن يكون رئيساً للجمهورية. كما هي الحال في الموضوع المالي، فصحيح أن حزب الله هو الذي يقف في الواجهة، لكن عون والتيار الوطني لا يمكن أن يقفزا فوق موقف الحزب أو فوق ما كتباه قبل سنوات.
يعرف الحزب أن قدرة الحريري على المناورة ضئيلة، ويعرف عون أيضاً أنه يمسك الحريري من اليد التي توجعه، فيضغطان عليه في الملفين الحساسين. لكن لكليهما مصلحة في التهدئة بعد أن تكون الملفات فتحت وأدت نتيجتها، فيصبح حينها للتسوية السياسية معنى آخر، يختلف عن مرحلة ما قبل تأليف الحكومة.