في إطار السباق على الاستثمار في أزمة النفايات، تكثّفت، في السنوات الأخيرة، محاولات التسويق لتقنية حرق النفايات في أفران معامل الترابة والاسمنت. وأخذت هذه المحاولات، في الأسابيع الأخيرة، طابعاً أكثر جدية مع عقد اجتماعات مكثفة مع بلديات واتحادات بلديات تقع هذه المعامل ضمن نطاقها (لا سيما في سبلين وشكا). ويتم في هذه الاجتماعات الترويج للوقود المشتق من النفايات (Refuse Derived Fuel: RDF)، تحت عنوان «الوقود البديل» عن الفيول او الفحم الحجري. إلا أن ما لا يُطرح، بالتأكيد، هو التحديات والصعوبات والمخاطر لاعتماد مثل هذا الخيار، في غياب الإطار الاستراتيجي وفي ظل الإشكاليات المتعلقة بنوعية النفايات، والقدرات التشغيلية والمتطلبات القانونية والمالية والاقتصادية والآثار البيئية.

والـRDF هو وقود ينتج من عملية تفتيت النفايات الصلبة وتجفيفها، يمكن استخدامه لتوفير الحرارة وتوليد الكهرباء في المنشآت الصناعية كمصانع الاسمنت. واستخراج النوع المطلوب وفق المواصفات من الـ RDF يتطلّب فرزاً دقيقاً للنفايات وتعقيمها قبل حرقها لخفض نسبة الضرر من انبعاثاتها.

يتطلب الوقود البديل فرزاً دقيقاً من المصدر (هيثم الموسوي)

يطلق اسم «الوقود البديل والمواد الخام» (Alternative Fuel and Raw Materials: ARF) و«الوقود الصلب المسترد» (Solid Recovered Fuel: SRF) على النفايات المفرزة ذات الطاقة الحرارية العالية. وبحسب دراسة اولية لم تنشر بعد للدكتورة سمر خليل (من «ائتلاف ادارة النفايات»)، هناك انواع عدة من هذا الوقود الذي يُستخدم عادة في مصانع الاسمنت.
يُشتقّ الـ RDF من النفايات المنزلية أو الصناعية أو التجارية غير المتجانسة الناتجة عن المعالجة الميكانيكية - البيولوجية للنفايات (الورق والكرتون، المعادن، البلاستيك، الزجاج، الخشب، الأقمشة والمطاط...)، ويمكن أن يحتوي مواد خطرة، ويستخدم عادةً كوقود بديل في محارق النفايات المجهزة بأنظمة لضبط الملوّثات. أما الـ SRF فيُشتقّ حصراً من النفايات المنزلية غير الخطرة ويخضع لمواصفات معينة لاستعماله في المنشآت الصناعية، ويتم إنتاجه وفقًا لمواصفات جودة محددة.

من يخدم من؟
في غياب الإطار الاستراتيجي لحل مشكلة النفايات، فإن أسئلة عدة تتبادر الى الذهن: هل المطلوب معالجة هذه المشكلة من أساسها أم تأمين الوقود للمصانع؟ وهل يكون الحرق للتخلص من مواد خطرة، ما من طريقة أخرى للتخلص منها، ام هو لحرق كل ما هو قابل للحرق؟ وهل الاولوية هي لحماية الموارد، ام لانتاج طاقة قليلة من كمية كبيرة من النفايات الرطبة (كما هي حال نفاياتنا) تنتج عن حرقها ملوّثات يستحيل ضبطها (رماد وانبعاثات سامّة) وتكبّد الخزينة كلفة إضافية لمعالجة نواتج الحرق بما يطيح بكل مكتسبات الطاقة؟ وما الذي يمنع أن تتحوّل النفايات الى خدمة تشغيل المحارق وأفران شركات الترابة، بدل أن تخدم هذه التقنيات حل مشكلة تزايد النفايات؟ مع العلم أن ما تشتهيه النار من موارد، هو نفسه ما تشتهيه معامل اعادة التصنيع. فعلى اي اساس ستتم المفاضلة؟

حرق بلا فرز
في ما يتعلق بنوعية النفايات التي يفترض اعتمادها كوقود بديل، بينت الدراسات أن النفايات الصلبة الخام في لبنان تحتوي على نسبة عالية من الرطوبة، وطاقة حرارية منخفضة، ومحتوى عال من الرماد، ما يجعل استخدامها كوقود أمراً غير مرغوب فيه. إذ أن وجود نسب عالية من الكلور والمواد الهالوجينية أو الزئبق والبلاستيك المصنوع من البولي فينيل كلورايد (PVC) في النفايات يمكّن أن يسبّب مشاكل تشغيلية وبيئية للمصانع التي تستعملها. لذلك تتطلب المعالجة المشتركة (Co-processing)، أو حرق الوقود البديل الناتج عن النفايات في المصانع، بحسب دراسة خليل، الى تركيبة نفايات متجانسة نسبياً، مع خصائص محددة للتحكم بعملية الاحتراق. وتستوجب هذه التقنية معالجة مسبقة لتحويل النفايات إلى ما يسمى بـ«الوقود الصلب المسترد» (SRF). كما يفترض أن تعتمد معايير جودة محدّدة للوقود المشتق، سواء كان SRF أو RDF.
يعني كل هذا أن هناك حاجة ملحة لفرز النفايات واعدادها بشكل دقيق قبل اعتمادها كوقود بديل. أما ما يجري واقعاً فهو أن النفايات في لبنان لا تعرف أي نوع من أنواع الفرز. إذ أن الخطرة منها وغير الخطرة، والمنزلية والصناعية والتجارية والطبية والزراعية ونفايات المسالخ والردم، تُجمع كلها معاً وتنقل في معظم الأحيان في شاحنات ضاغطة مما يصعّب فرزها في المعامل بفعالية جيدة، وبالتالي التقيّد بالمواصفات المطلوبة للوقود البديل.
هل تتحوّل النفايات الى خدمة تشغيل أفران المصانع بدل أن تخدم هذه التقنيات حل مشكلة تزايد النفايات؟

وهذا يزيد من احتمالات تلوث الوقود البديل بمواد خطرة تجعل من استخدامه في معامل الاسمنت أمراً دونه مخاطر كبرى، إذا ما أضيف الى الملوّثات الهوائية والغازات الحمضية التي تنجم عن إنتاج الاسمنت، لنكون عندها أمام تلوّث مضاعف. ناهيك عن أن أحداً لا يمكنه ضمان تجهيز المعامل بالتجهيزات اللازمة لضبط الملوثات وتلقيم الوقود البديل مباشرةً في الأقسام ذات درجة الحرارة العالية من الأفران، والالتزام بمبادئ عالمية محددة لدى استخدام هذا الوقود، والمراقبة المستمرة وفحص المنتجات النهائية من الأسمنت لمنع احتمالات تسرب المعادن الثقيلة إليها قبل استخدامها في المباني والطرق والمنشآت. ويمكن تخيّل حجم الكارثة المرتقبة، بالنظر الى الأداء الحالي لمعامل الاسمنت والترابة التي لا يمكن الوثوق بأدائها البيئي وبالتزامها بالمعايير البيئية في ظل سوء المراقبة والمحاسبة وانعدام تطبيق القوانين.

الجوانب القانونية
وجود الإطار التشريعي المناسب شرط أساسي ومسبق للنجاح في تطبيق تقنية المعالجة المشتركة في معامل الاسمنت. إذ ينبغي تحديد معايير الانبعاثات والمواصفات الفنية، إضافة إلى آليات الترخيص والمراقبة والمحاسبة. وبسبب التعقيد التقني العالي لهذه التقنية، فإنها تتطلب مراقبة مستمرة وعمليات تفتيش دورية، كما تتطلب وجود موظفين مؤهلين ومجهزين بشكل كاف للقيام بعمليات المراقبة. وهو أمر يحتاج وقتاً في ظل غياب تطبيق القوانين وضعف القدرات البشرية والتقنية في وزارة البيئة وجهل السلطات المحلية بزواريب هذه التقنية والافتقاد إلى أجهزة القياس والمختبرات المجهزة لفحص بعض أنواع الملوثات الخطرة.

وقود بديل ام تبديل الملوثات!
بحسب تقرير «الآفاق العالمية لإدارة النفايات»، تزيد كلفة سوء إدارة النفايات على المجتمع والاقتصاد في البلدان المتوسطة أو المنخفضة الدخل، بأكثر من 5 إلى 10 أضعاف ما يمكن أن تكلفه الإدارة السليمة. لذلك يفترض في بلد مثل لبنان، راكم الكثير من الاخطاء ولا يزال يعمل ضمن خطط طوارئ مكلفة جدا على كل الأصعدة، اعتماد المبادئ الموفرة او الأوفر، في إدارة النفايات بطريقة سليمة بيئياً، بدل «تنظيف أخطاء الماضي»، عبر نقل الملوثات من مستوى معين الى مستوى آخر، ومن مناطق الى اخرى!
وفي غياب استراتيجية وطنية متكاملة ونظام إدارة متكامل للنفايات يعتمد هرمية إدارتها (الذي يبدأ بالتخفيف والفرز من المصدر) ووضع الإطار التشريعي والقانوني ودرس الأداء البيئي والتجهيزات المتوفرة والقدرات البشرية والتشغيلية لمعامل الاسمنت والجدوى الاقتصادية للمعالجة المشتركة... نحن، بالتأكيد، غير قادرين على اعتماد هذا الخيار.