احتاج المجلس الدستوري إلى ثمانية أشهر ليبت في الطعون الانتخابية. ردها جميعها باستثناء طعن واحد، ألغى بموجبه نيابة عضو كتلة المستقبل ديما الجمالي. وفي قراره، يكون المجلس كمن يهدي المقعد مجدداً إلى الجمالي نفسها، لأن الانتخابات ستُعاد في دائرة طرابلس وحدها، بناءً على قانون الانتخابات الذي يفرض إجراء الانتخابات بـ«الأكثري» في حال شغور مقعد واحد. قرار الدستوري حمل في طياته ما يسمح بالتشكيك فيه. «الحكم» المبرم الذي لا يقبل أي سبيل من سبل المراجعة، ذكّر بالطعون النيابية عام 1996، التي أدار نتيجتَها الحُكم السوري حينذاك، تماماً كإبطال نيابة غبريال المر بعد انتخابات المتن الشمالي الفرعية عام 2002. ولأن الوقائع لا تقبل الشك بأن طه ناجي هو الفائز الشرعي بالانتخابات، لم يتمكّن المجلس الدستوري من تجاوزها، لكنه آثر عدم إغضاب الرئيس سعد الحريري، فقرر منحه فرصة الاستحواذ على المقعد نفسه مجدداً، بانتخابات لن يكون مفاجئاً لأحد فوز الجمالي بها بفارق كبير، وبخاصة بعد التحالف الوزاري بين تيار المستقبل - الوزير محمد الصفدي والرئيس نجيب ميقاتي. الجهة الطاعنة استغربت عدم إعلان فوز مرشح جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية (الأحباش)، طه ناجي، على رغم إعلان المجلس أن الكسر الأعلى هو من حصة لائحته، فيما ذهبت كتلة المستقبل إلى رمي المجلس الدستوري بأشد النعوت، واصفة ما حصل بعملية طعن في الظهر تعرض لها الرئيس سعد الحريري، في موقف بدا إطلاقاً للحملة الانتخابية في طرابلس!

للمرة الثالثة يفعلها المجلس الدستوري. يقدم مطالعة دستورية «مبكّلة» تؤدي إلى مسار، فيذهب في قراره إلى مسار آخر. في الطعن في قانون التمديد في العام 2013، قدّم كل المبررات الدستورية لإلغاء القانون، فلم يلغه لأسباب تخالف مبرراته. وفي الطعن في قانون الموازنة في العام 2018، قرر ما يخالف بناءات قراره، وأمس فعل الأمر نفسه. توصّل، بأغلبية سبعة أعضاء من عشرة، إلى أن الطعن المقدم من المرشح طه ناجي بنيابة المرشحة المعلن فوزها ديما الجمالي محق، وأن لائحة الكرامة التي ينتمي إليها ناجي حصلت على الكسر الأعلى بدلاً من لائحة المستقبل، لكنه بدلاً من أن يعلن بالتالي انتقال المقعد من الجمالي إلى ناجي، ذهب ليستنتج أن الفارق في الكسر الأعلى بين اللائحتين والذي يساوي 0٫00007 (سبعة في المئة ألف) «يكاد يكون معدوماً، أي يكاد يكون بمثابة صفر»، لاغياً بالتالي أصوات مقترعين شاركوا في الانتخابات في دائرة الشمال الثانية وأثرّوا في نتيجتها.
وبذلك، أوحى القرار أن الفوز عندما يتحقق يجب أن يكون كبيراً وواضحاً، بالرغم من أن القانون لا يميز بين فائز بفارق صوت واحد وفائز بفارق مئة ألف صوت. علماً أن لائحة المستقبل سبق أن حصلت على المقعد الإضافي بعد حصولها على الكسر الأعلى بفارق 0٫004 (0٫558 مقابل 0٫554 لكتلة الكرامة)، أي بفارق أربعة بالألف، لكن هذا الرقم لم يعتبر معدوماً من قبل لجان القيد، لأن القانون ينص على ترجيح كفة الكسر الأعلى بصرف النظر عن صغره (المادة 99 من قانون الانتخابات).
لكن في المقابل، أيد الوزير سليم جريصاتي قرار المجلس، معتبراً أن عدم إعلان فائز بديل هو أمر طبيعي انطلاقاً من أن اجتهاد المجلس الدستوري استقر على عدم إعلان فائز بديل عن النائب المبطلة نيابته إذا كان الفارق ضئيلاً.
بالنتيجة، اكتفى المجلس الدستوري بإبطال نيابة ديما الجمالي، لكن من دون إعلان فوز أول الخاسرين في اللائحة المنافسة التي صارت تملك الكسر الأعلى، أي ناجي، وهو للمناسبة حصل على 4152 صوتاً تفضيلياً مقابل 2066 صوتاً للجمالي.
فضّل المجلس الدستوري الذهاب إلى الحل الأسهل سياسياً، أي إعلان المقعد السني الخامس في طرابلس شاغراً على أن تجرى الانتخابات لملئه في غضون شهرين، وفق نظام الاقتراع الأكثري على دورة واحدة. علماً أن المجلس لم يسلم من تهمة التسييس من قبل الأطراف المتنازعة. وإذ حمّل النائب فيصل كرامي «الدستوري» مسؤولية «هذه الهرطقة الدستورية»، ذهبت الجمالي، إلى اتهام المجلس بالرضوخ للتدخلات السياسية، بالرغم من أن القرار سمح بالنزول إلى السباق مجدداً لاستعادة لقب «السعادة»، بدلاً من إعلانه قراراً صريحاً بنقل المقعد إلى مستحقه. وإضافة إلى كلام الجمالي، راحت كتلة المستقبل إلى حد اعتبار القرار «عملية غدر سياسية وطعن في الظهر استهدفتها واستهدفت الرئيس سعد الحريري شخصياً».
في قراره الذي يصدر متخطياً المهلة الدستورية، عمد المجلس إلى إبطال نتيجة قلم قرصينا رقم 546 غرفة رقم 5 (المدرسة الرسمية)، بعدما تبين له أنه تم العبث بأوراق الاقتراع الموجودة في المغلف العائد لهذا القلم. كما تم العبث بمستنداتها التي لم يُعثر عليها.
بناءً عليه، صار العدد النهائي للأصوات 125063 صوتاً (بعد إخراج اللوائح التي لم تنل الحاصل الانتخابي الأول وبعد حسم 266 صوتاً (أصوات لوائح العزم والكرامة والمستقبل في القلم الملغى)، بما يجعل الحاصل الانتخابي الجديد 11369.3636. لتكون النتيجة النهائية حصول لائحة المستقبل على 4٫55249 مقاعد، أي أربعة مقاعد إضافة إلى كسر 0٫55249، مقابل 2٫55256 مقعد للائحة الكرامة، أي مقعدان وكسر 0٫55256، بما يعني أن لائحة الكرامة حصلت على الكسر الأعلى بفارق 0٫00007، أي سبعة في المئة ألف. وهو الفارق الذي اعتبره المجلس الدستوري معدوماً بما يخالف نص المادة 99 من قانون الانتخابات.

«المستقبل» فازت بمقعد جمالي بعد نيلها الكسر الأعلى بفارق 0٫004


اللافت أن كل أعضاء المجلس الدستوري، بمن فيهم الأعضاء الثلاثة الذين صوتوا ضد قرار الأكثرية اعتبروا أنه لا يمكن أن يعول على الفارق في الكسر لإعلان فوز مرشح عن المقعد السني الخامس في طرابلس، خصوصاً أنه من خلال التدقيق في بعض محاضر الأقلام وفي محاضر لجان القيد تبين وجود فوارق تتراوح بين واحد وخمسة أصوات. وبذلك، وبدلاً من أن يعيد المجلس فرز كل الأصوات، ذهب إلى الاكتفاء باعتبار وجود أرقام غير دقيقة في الكثير من الأقلام لا يسمح بحسم فوز مرشح بفارق واحد في المئة ألف. ليخلص رئيس المجلس الدستوري عصام سليمان، رداً على سؤال عن عدم احترام الكسر الأعلى، إلى القول إن «الانتخابات غير دقيقة».
وإذا كان ثلاثة أعضاء قد خالفوا قرار الأكثرية، وهم سهيل عبد الصمد وزغلول عطية ونائب الرئيس طارق زيادة، فإنهم خالفوه لقناعتهم بأنه «كان يجب رد الطعن لأنه لم يكن يجوز إبطال نتائج القلم 546 قرصيتا، انطلاقاً من أن عدم وجود لائحة الشطب لا يعيب العملية الانتخابية طالما أن الطاعن لم يدل أو يثبت وجود عملية غش، وطالما لم تتم المنازعة في عدد الأصوات». وعلى سبيل الاستفاضة اعتبر المخالفون أن الفارق في الكسر (7 في المئة ألف) الذي أوردته الأكثرية «يدعونا إلى القول بعدم الأخذ بهذا الفارق المعادل للصفر».
التوتر الكبير الذي انعكس على المؤتمر الصحافي لرئيس المجلس الدستوري، معطوفاً على تعليق كتلة المستقبل، جاء على خلفية ما أثير عن تغيير عضو المجلس أحمد تقي الدين لرأيه. إذ قيل إنه عند إعداد التقرير الأولي كان رافضاً لإبطال نيابة الجمالي، ثم عاد وصوّت على إبطال نيابتها في القرار النهائي. وهو ما وجد فيه أعضاء المجلس أمراً بديهياً لكون المناقشات التي تلي إعداد التقرير قد تؤدي إلى بروز معطيات جديدة قد تساهم في تغيير رأي أعضاء المجلس. كما ركز سليمان على أن لا تصويت في المجلس سوى عند طرح التقرير النهائي، وما عدا ذلك يصب في خانة المداولات حصراً. أما التأخير في البت بالطعون، فقد أحاله إلى التعقيدات التي يتضمنها القانون الجديد، وإلى تأخّر هيئة إدارة الانتخابات بتسليم تقريرها النهائي. كذلك كان لافتاً أن المقرر الثاني زغلول عطية، الذي كان من بين المخالفين لقرار المجلس، قد قاطع المؤتمر الصحافي بعدما اتُّهم بتسريب مداولات المجلس.