طلب الولايات المتحدة الأميركية من الدول العربية عدم رفع مستوى التمثيل في القمّة الاقتصادية، ليس «وهماً» أو جزءاً من «نظرية المؤامرة». فالتدليل على ذلك، لم يعد يقتصر على المحور المُعادي للولايات المتحدة والسعودية، بل تتحدّث عنه وسائل إعلام خليجية، لتؤكّد وجود مسارٍ للضغط على لبنان الرسمي، ودفعه إلى التخلّي عن المقاومة والابتعاد عن سوريا وإيران. فالثلاثاء الماضي، نشر الموقع الإلكتروني السعودي «إيلاف»، معلومات «حصرية من مصادر خاصة»، تُفيد أنّ وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، «نبّه مسؤولي بعض الدول، التي زارها، عبر مُستشاره العسكري، إلى معلومات من شأنها تغيير أوقات وصول وفودها». ويُضيف التقرير أنّ «جهات استخبارية إقليمية، أبلغت دولاً عربية، بصورة مباشرة وغير مباشرة عبر الولايات المتحدة، بمعلومات دقيقة عن نية مجموعات لبنانية وغير لبنانية استهداف الوفود العربية التي ستستضيفها بيروت بهجمات إرهابية. ووصلت دقة المعلومات إلى حدّ تقديم تفاصيل التهديدات بأسماء المتورطين فيها وأماكن حصولها وتوقيته». نقلت المعلومات صُحف خليجية عدّة، من دون أن توضح لماذا أجهزة الاستخبارات الإقليمية ستُبلغ الدول العربية عبر الولايات المتحدة الأميركية؟ ولماذا لم يُسلّم الملّف، طالما أنّه يزعم تضمن أسماء المتورطين وأماكن حصول العمليات الأمنية، إلى الأجهزة اللبنانية للقيام باللازم؟ ما نشره الموقع المقرّب من دوائر القرار الأمنية في السعودية، والذي يشكّل الذراع الإعلامية للسعودية في مجال التطبيع مع إسرائيل، يذكّر إلى حد كبير بالذرائع التي استخدمتها السعودية لتبرير إعلان استقالة الرئيس سعد الحريري من الرياض في الرابع من تشرين الثاني 2017!

باسيل: هل يجوز أن نقبل أنّ دولةً تختارُ من منّا يُسمح له بالازدهار؟ (هيثم الموسوي)

على رغم ذلك، لا يزال البعض يعتبر أنّ المسؤول عن تخفيض تمثيل الدول، هي الظروف اللبنانية الداخلية. فيقول أحد المسؤولين في جامعة الدول العربية لـ«الأخبار» إنّ «14 رئيساً وملكاً كانوا سيحضرون إلى لبنان للمشاركة في القمّة. الموقف من ليبيا، والتحذيرات الأمنية التي تلقّتها الوفود، هي التي أثّرت في المشاركة». حتى الوزير جبران باسيل، اعتبر أمس، أنّ «موضوع المشاركة ومستواها حقّ لكل دولة لا نعلّق عليه. أتفهم أن يبادر أي رئيس دولة إلى فعل ما فعل. لبنان يتحمّل مسؤولية، والخطأ الذي ارتُكب هو بحقّ لبنان كدولة».
لا شكّ أنّ الخلاف اللبناني حول التمثيل الليبي، وحرق علمها، ساهما في عدم توفير أجواء ملائمة للقمّة الاقتصادية. ولكن، لا يُمكن التغاضي عن أنّ القرار الأميركي بتظهير لبنان ضعيفاً وهامشياً في المعادلة العربية، مُتخذ مُسبقاً، وأتت «التفاصيل» الداخلية، لتُشكّل الذريعة المثالية له. مع العلم، أنّ بعض الدول لجأت إلى تخفيض تمثيلها في الساعات الماضية، بعدما تبيّن لها أنّه لا يوجد أحد «من مستواها» سوى الرئيس اللبناني. أحجار الدومينو، أسقطت أمس، رئيس الحكومة العراقية (صاحب المنصب التنفيذي الأعلى في البلاد)، ورئيس الصومال، على أن يترأس وفدي البلدين وزيرا خارجيتهما. «الرئيس الملك»، حتى الساعة، هو رئيس موريتانيا، والذي تنتهي ولايته منتصف السنة الحالية. علماً أنّ المسؤول في «الجامعة العربية»، كان قد «تنبّأ» في حديث مع «الأخبار» ظهر أمس، بعدم مشاركة أي رئيس في القمّة غداً.
إفراغ الدول العربية القمّة التنموية العربية من أي بُعد سياسي، وحصرها في الشقين الاقتصادي والاجتماعي، لم ينسحب على الجانب اللبناني. برز ذلك في كلمة الوزير جبران باسيل، في افتتاح الاجتماع المُشترك لوزراء الخارجية والوزراء المعنيين بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي التحضيري للقمّة، التي حملت رسائل واضحة، بعد مسألتَي خفض التمثيل وتغييب سوريا عن المشاركة. فقال وزير الخارجية إنّ «الأسف منّا لأي دولة لم تحضر لأننا كعرب لا نعرف أن نحافظ على بعضنا، بل نحترف إبعاد بعضنا وإضعاف أنفسنا بخسارة بعضنا (...) إذا سبّبنا الحروب لبعضنا، ألم يحن وقت إطفائها؟ وهل يجوز أن نجازي ونعاقب من يفكّر بإعادة الإعمار بدل أن نشجّعه ونساعده؟وهل يجوز أن نقبل أنّ دولةً تختارُ من منّا يُسمح له بالازدهار، ومن لا ينصاع تُفرض عليه العقوبات لينهار؟». اتهام باسيل للولايات المتحدة الأميركية (من دون أن يُسمّيها) بالسيطرة على القرار العربي، وتوجيه سياسات هذه الدول، أتى ردّاً على تهديد واشنطن للبنان من المشاركة في إعادة إعمار سوريا، تحت طائلة فرض العقوبات، ومنعها من دعوة سوريا إلى القمّة. فأضاف باسيل أنّ «سوريا هي الفجوة الأكبر اليوم في مؤتمرنا، ونشعر بثقل فراغها بدل أن نشعر بخفّة وجودها. سوريا يجب أن تعود إلينا لنوقف الخسارةَ عن أنفسنا، قبل أن نوقفها عنها. سوريا يجب أن تكون في حضننا بدل أن نرميها في أحضان الإرهاب، من دون أن ننتظر إذناً بعودتها، كي لا نسجّل على أنفسنا عاراً تاريخياً بتعليق عضويتها بأمرٍ خارجي وإعادتها بإذنٍ خارجي، وكي لا نضطر لاحقاً إلى الإذن لمحاربة إرهاب أو لمواجهة عدو أو للحفاظ على استقلال».
يُحضّر لبنان بياناً سياسياً عن أزمة النزوح، في حال اختلاف الرؤيا حولها


الموضوع السوري، وتفرّعاته، كان الأكثر حضوراً أمس خلال نقاشات اللجنة الوزارية حول جدول الأعمال، واجتماع وزراء الخارجية والوزراء المعنيين. يقول الوزير رائد خوري إنّ «الفقرة 6 من البند 13، المُتعلق بعودة النازحين السوريين إلى بلدهم، أخذت حيّزاً كبيراً من النقاش». فلبنان يطلب تشجيع العودة الكريمة للنازحين إلى المناطق الآمنة، «في حين أنّ كلّ الدول الأخرى انقسمت بين مُطالبٍ بالحديث عن عودة طوعية، وبين من أراد إلغاء الفقرة كلياً، بحجة أنّ هذا الموضوع سياسي وليس اقتصادياً». ويوضح خوري أنّ لبنان «لا يفرض على اللاجئين العودة غصباً عنهم، ولكن استخدام كلمة طوعية يبدو كتحريض على البقاء. رُفعت الجلسة الأولى من دون اتفاق حول الصيغة التي ستُعتمد، على أساس أن يستكمل وزراء الخارجية النقاش حوله، الأمر الذي لم يحصل. فبعد الكلمات، قدّم الوزراء العرب «مداخلات شدّدوا فيها على أنّ ملّف النازحين سياسي، ويجب أن يكون مرتبطاً بالحلّ السياسي في سوريا. كان هناك تشدّد من قبلهم حول هذه النقطة»، بحسب مصادر مشاركة في الاجتماعات. انتهى الاجتماع، بغياب اتفاق على صياغة الفقرة 6 من البند 13 مُلتبسة، «وسنقوم اليوم بمشاورات مع ممثلي الدول، لنحاول أن نجد صيغة توافقية قبل اجتماع القمة الأحد، لأنّ جدول الأعمال يُفترض أن يصل إلى القمّة مُنقّحاً». أما إذا لم توافق البلدان العربية على العودة الآمنة للنازحين السوريين، «فسيقدّم لبنان بياناً سياسياً يتناول الموضوع، يُعبّر عن وجهة نظرنا، ولكن من دون أن يكون استفزازياً لأحد»، بحسب مصادر رسمية لبنانية.