التدخين ممنوع داخل الفندق. مِن فوائد ذلك أنّك ستستمع الى دردشة مُسلّية عند المدخل... حيث يقف المدخّنون. أحدهم عنصر «مرافقة» من جهاز أمن الدولة. يقول ناصحاً أحد زملائه: «ما تنسى إنّك مرافق إلو مش شوفير لمرته وبنته». يتحدّث عن أحد السياسيين، الذي يعمل «عنده». الأخير داخل فندق «بريستول» للمشاركة في ندوة عنوانها «استقلال القضاء وشفافيته: بناء المؤسسات في إطار الأجندة الإصلاحيّة لمؤتمر سيدر»، نظمتها أول مِن أمس «كلّنا إرادة» و«المفكرة القانونيّة». الأخيرة، التي يرأسها المحامي نزار صاغيّة، معروفة بنشاطها في مجال استقلال القضاء. مَن حضر الندوة، التي استمرت أكثر من ثلاث ساعات، سيخرج مِن غير أن يفهم فلسفة ربط الإصلاح القضائي بمؤتمر «سيدر». أليس مهيناً أن يُربط إصلاح القضاء، وهو قطعاً يحتاج إلى إصلاح، برضا ما يُسمّى المجتمع الدولي، وتقديم «المساعدات» المالية؟ المنظّمون للندوة ينشطون في عملهم قبل «سيدر» بكثير. وربّما وجدوا فيه عاملاً إضافيّاً للدفع في اتجاه تحقيق الهدف، غير أن هذا لا يغني عن الإشارة إلى أن العنوان لم يكن موفقاً.

وحده النائب جورج عدوان تنبّه إلى عدم صوابيّة ذلك الربط، قائلاً: «معيب نكون هلق بدنا نعمل إصلاح قضائي لأن في كم دولة بدهم يدينونا أموال. لازم الإصلاح يكون مبدأ». كان عدوان أكثر الحاضرين صراحة في تقييم الواقع العدلي: «نحن ما عنّا دولة. ما في قضاء يطبّق القانون سواسية على كلّ المواطنين. ما في ثقة للمواطن بالقضاء. اللبناني فاقد الثقة بكل شي... أتمنّى على المنظّمين يخفّفوا شوي من الحكي عن مؤتمر سيدر».
لسبب ما كانت سفيرة سويسرا، مونيكا شموتس جوركيس، حاضرة. ربّما لكونها تمثّل المجتمع الدولي «المانح». عندما جاء دورها قالت: «نخشى أن يكون لبنان على شفير الهاوية. لا بدّ من دعم استقلاليّة القضاء، فالقضاء يضمن حركة الاستثمارات الاقتصاديّة». هكذا، باختصار. تركت المنبر وعادت إلى «صفوف الجماهير». وضعت حقيبة يدها جنبها. حقيبة مزركشة الألوان يتدلّى منها مجسّم على شكل حمار صغير لونه زهري. ممثّل الرئيس سعد الحريري أزعجه كلام عدوان. هو يرى أن «البلد ماشي». إلا أنه، في المقابل، رمى «قنبلة» في مكانها، إذ تطرّق إلى القانون المقترح حول استقلال القضاء العدلي وشفافيته (الموضوع للمناقشة حاليّاً في لجنة الإدارة والعدل النيابيّة)، متسائلاً: «ما بعرف إذا بانتخاب مجلس قضاء أعلى مِن قبل القضاة أنفسهم، بحسب الاقتراح رح يمشي الحال. يمكن بالانتخاب ما يكون في حضور ماروني أو شيعي أو سني وهيك، هل يمكن هالشي يصير؟». لم يتطرّق أحد بعد ذلك إلى تلك المعضلة اللبنانيّة. كما أن القانون المقترح لا يتطرّق إلى هذا «العُرف الطائفي». تأتي الآن في الندوة مداخلة جاك دو لاجوجي، وهو رئيس الدائرة الاقتصاديّة في السفارة الفرنسيّة في لبنان. عرّفته مديرة «كلّنا إرادة»، هلا بجاني، بأنّه «مهندس سيدر». ملامح وجهه كانت تشي بالامتعاض خلال المداخلات السابقة. سيظهر ذلك في كلمته الموجزة: «أنا تكنوقراطي. الاستقلاليّة حالة ذهنيّة في القضاء وليست مجرّد نص قانون. الفساد ليس محصوراً في الطبقة السياسيّة... نأمل أن تتشكّل الحكومة في لبنان سريعاً وإلا سيكون سيدر الفرصة الضائعة». صفّق له أكثر الحاضرين. لسببٍ ما كان التصفيق حارّاً.

ذكر النائب الموسوي أنّ استقلاليّة القضاء عزيزة إلى درجة ألا تُترك للقضاة وحدهم


حضر الندوة أكثر مِن عشرة نواب، مِن كتل مختلفة، مِنهم: إبراهيم كنعان، نواف الموسوي، جورج عقيص، رولا الطبش، بلال عبدالله، سامي الجميل، نقولا نحاس وبولا يعقوبيان. كلّ هؤلاء، بحسب مداخلاتهم، يُريدون مكافحة التدخلات السياسيّة في عمل القضاء. وكلّهم يُؤيّدون القانون المقترح. إن كان كلّ هؤلاء الساسة ضدّ تدخل السياسة في القضاء، فمن تُراه الذي يفعل؟ ملاحظة كنعان كانت لافتة: «لماذا البحث في القضاء العدلي فقط، طالما الحديث عن مكافحة فساد، فيما يغيب البحث في القضاء الإداري، أي مجلس شورى الدولة، وكذلك دور ديوان المحاسبة؟». مداخلة الموسوي كانت الأكثر مباشرة: «استقلالية القضاء عزيزة إلى درجة ألا تُترك للقضاة وحدهم». وجد البعض مستغرباً، فأوضح: «يضم مجلس القضاء الأعلى، لدى بعض الأنظمة القضائية في العالم، أعضاء مِن غير القضاة يمثلون شرائح مختلفة في المجتمع (القانون المقترح يتضمن ذلك). في لبنان هناك تدخلات متنوّعة في القضاء، هناك تدخّل قضائي في القضاء، لذا الإصلاح يجب أن يسبق أو يكون بالتوازي مع الاستقلاليّة».
ليس القانون المقترح الأوّل مِن نوعه، وإن كان أكثر تشعباً وإحاطة بالثغرات، لكن يُخشى أن يكون مصيره كمصير الاقتراحات السابقة... النوم في الأدراج. وزير العدل السابق شكيب قرطباي قدم اقتراحاً بتعديل مادّة في القانون القائم، ما يُعطي مجلس القضاء الأعلى حقّ الانفراد في إصدار التشكيلات القضائيّة، بعيداً عن «فيتو» وزير العدل. سقط ذلك الاقتراح. لعلّ اقتراح قانون السلطة القضائية الذي قدّمه رئيس مجلس النوّاب السابق حسين الحسيني ورئيس الحكومة السابق سليم الحص، قبل نحو 22 عاماً، هو الأشبه بالقانون المقترح حاليّاً. دخل الدُرج... ولم يعد. في كتيب اقتراح الحسيني - الحص، يرد مقطع في الكلمة الافتتاحية تلخّص الكثير مِن الجدل الدائر: «لا قيام للسلطة القضائية، وهي لا تستحق هذه التسمية إذا كانت غير مستقلة، إلا إذا أراد قيامها الشعب الذي تنطق باسمه تلك السلطة في أحكامها. أمّا المجتمع القانوني فليس سوى مجتمع مهنيّ».



السريّة المصرفيّة للقضاة
لعلّ الكلمة التي ألقتها رئيسة نادي قضاة لبنان، القاضية أماني سلامة، في ندوة «استقلال القضاء وشفافيته»، أول مِن أمس، هي أبرز ما شهدته تلك الندوة. تطرّقت رئيسة النادي، والحديث هنا عن نادٍ ما زال «اللوبي» السياسي - القضائي يمنع عنه «العلم والخبر»، إلى تضخّم الدين العام في ظل «دولة تُحتضر». مقاربة في مكانها تماماً. مقاربة مباشرة وبعيدة عن الإنشائيات والعموميّات، إذ ثمّة مَن سرق حتّى تضخم الدين العام، وبالتالي «المال العام مستباح، فلتحاسب السُلطة القضائية مَن يجب كما يجب». تقول سلامة: «هؤلاء المجرمون موجودون بيننا. الفساد ليس وهماً كما يشعر المواطن بسبب تجهيل الفاعل وتسخيف الأسباب، وقد آن الأوان لكشفهم ومحاسبتهم». تذهب سلامة أبعد، في سياق تعدادها لمطالب النادي، طالبة «رفع السرية المصرفية عن حسابات القضاة وعائلاتهم». أن يأتي مطلب كهذا بحق القضاة، مِن قبل قضاة، فهذه إشارة إلى لغة غير معهودة في الخطاب العدلي اللبناني. وهي بارقة يُمكن لمن يهمه الأمر أن يستبشر بها.