من المؤسف للغاية ان تبقى المادة 95 من الدستور، زينة اتفاقية الطائف والناصّة على تشكيل الهيئة الوطنية للعليا لالغاء الطائفية السياسية، أسيرة في سطر قابع بين سطور الدستور اللبناني، منذ اقراره في تشرين الثاني 1989. فلو أقرت تلك المادة منذ العام 1992، لكانت الدولة المدنية قد ابصرت النور من رحم أحزان أمهاتنا المفجوعات منذ الحرب الأهلية وأنهت بكاءهن المزمن. ولكنّا اليوم نحتفل بعرس وطني نرى فيه الرجل المناسب ايا كانت طائفته يقبع في المكان المناسب، وفق كفاءته ونزاهته، لا وفق دينه ومذهبه، برعاية ومباركة قانون انتخابي برلماني يعتبر لبنان بشكل نهائي دائرة واحدة على اساس النسبية خارج القيد الطائفي. ولكنّا رأينا صاحب الكفاءة قد تبوأ منصبه في وظائف الدولة في فئتيها الاولى والثانية خارج اطار التوازن الطائفي. ولكنّا رأينا خجل البعض من المطالبة بإحلال بدعة ذلك التوازن في وظائف الفئتين الثالثة والرابعة رغم معرفته بأنه يخالف أحكام الدستور. ولكنّا في غنى عن سماع كلام صادر عن مجالس بلدية يرفض تملك لبنانيين من طائفة معينة لشقق سكنية واقعة ضمن مناطق نفوذها، علما ان القانون اللبناني يجيز لأي مواطن لبناني ايا كانت طائفته التملّك في أي منطقة لبنانية. ولكنّا رأينا بأم العين توحيد فروع الجامعة اللبنانية، ولما كنا رأينا البعض يخالف احكام الدستور ويرفض التنازل من حصته لوزير ينتمي الى كتلة اتت الى البرلمان من رحم شعبية كبيرة تؤيد شرعية سلاح المقاومة.

إن تشكيل الهيئة الوطنية العليا لإلغاء الطائفية السياسية تطالب ممثلي شريحة هامة من اللبنانيين باحتضانها في البرلمان والمشاركة في تشييد ورشتها لإتاحة الفرصة أمام مندوبيها من علماء نفس واجتماع ومحللين وكتّاب للمحاضرة لسنوات عديدة في قاعات المدارس والجامعات، للتحذير من مضار الطائفية كما تحذرنا وزارة الصحة مشكورة من مضار التدخين، بهدف استئصال ورمها الخبيث من النفوس. وبما ان الطائفية تفرق القلوب وتنشر جرثومة العدائية والحقد والكراهية في النفوس، وتبني ثقافة الإنطواء والانعزال والتوحد، فإن استمرارها حية ترزق من اوكار البعض الديني والمذهبي والطائفي سيجعل الاوضاع المعيشية سائرة نحو المزيد من التدهور المريع. وكي يكون لنا اقتصاد فولاذي متين مرصع بإنجاز القضاء على البطالة وتأمين فرص العمل ورفع الحد الأدنى للأجور وتحرير رغيفنا ولقمة عيشنا من سجون المحاصصات الطائفية والفساد، لا مفر لنا من قتل الطائفية بمطارقنا وفؤوسنا ومعاولنا ومناجلنا، كي تعود الحيوية الى مصانعنا وحقولنا وبيادرنا وكرومنا، وكي لا تبقى اجيالنا، جيلاً تلو جيل، تُولد في عالم الموتى.
ريمون ميشال هنّود