لم تحتج الجلسة التشريعية ليومين كانا مقررين لها. رفض الرئيس نبيه بري الخروج من القاعة قبل الانتهاء من كل جدول الأعمال. ساعده الرئيس سعد الحريري في مهمته، عبر مطالبته بتأجيل أو سحب 24 بنداً من أصل 39، كان بند إخضاع المناقصات العمومية لإدارة المناقصات من بينها، وكذلك اقتراح قانون النفط في البر. لكن، في المقابل، فإن الكل كان رابحاً. بري أوصل الجلسة إلى برّ الأمان بالرغم من كل التشنج السياسي المرتبط بتعثّر تشكيل الحكومة. والحريري حصل على القروض التي كان يريد إقرارها، وعلى حق الفيتو على البنود التي لا يريدها، فيما العونيون أداروا معركة ناجحة لاستبدال امتياز زحلة بعقد إدارة، إضافة إلى حصولهم على سلفة خزينة لكهرباء لبنان بقيمة 642 مليار ليرة، فيما حصلت القوات على تغطية مالية للالتزامات التي عقدها وزير الصحة بقيمة 75 مليار ليرة، لكنها خسرت التمديد لامتياز زحلة.

لم يقاطع تيار المستقبل الجلسة التشريعية، كما أشاع بعض أعضائه، لكن البديل كان اتفاقاً شاملاً بين الرئيسين نبيه بري وسعد الحريري على مسار الجلسة التشريعية الثانية في ظل حكومة تصريف الأعمال: ما لا يريده الحريري من البنود المطروحة في جدول الأعمال لا يمر. لم يكن هذا الاتفاق الوحيد. الأوراق الواردة كانت مضبوطة على طلب من الرئيس بري بعدم التطرق إلى الخلاف الحكومي. ولهذا تحولت مداخلات النواب، في معظمها، إلى مجموعة مطالب مناطقية، إلى جانب التركيز على الهم المعيشي والاقتصادي.
مع ذلك، لم تحل كل «إجراءات الأمان» دون فرض مسألة تشكيل الحكومة لنفسها على أجواء الجلسة، ولو من باب السخرية أحياناً.
كانت حجة الحريري في إشهار الفيتو الأول في الجلسة هي الرغبة في عدم إقرار أي قانون يتطلب تمويلاً من الخزينة. جاء ذلك مباشرة بعد إقرار ستة مشاريع قوانين تتعلق بقروض خارجية. لكن للحريري وجهة نظره: القروض ميسرة وفوائدها متدنية (تتعلق بتطوير وتوسعة مرفأ طرابلس وبدعم القطاع الصحي في لبنان)، فيما المشاريع الأخرى ستكون تكلفتها باهظة على الدولة لأنها ستضطر إلى الاستدانة من أجلها بأسعار الفائدة العالمية. المعادلة كانت مبنية على عنصر واحد هو سعر الفائدة، ولا تشمل بأي حال مسألة الحقوق والحاجة أو الإدارة الشفافة للمشاريع. وهذا كان كافياً بالنسبة إلى الحريري لطلب استرداد مشروع القانون المتعلق بإعفاء السيارات المتضررة من حرب تموز ومن أحداث نهر البادر من رسوم السير السنوية. لكن حتى عندما تأكد الحريري من أن هذا المشروع لا يكلف الخزينة أيّ أعباء، لكنه ينهي معاناة أصحاب سيارات لم تعد موجودة وتستحق عليها رسوم ميكانيك، تمسك بموقفه استرداد القانون، ولم يعترض بري «لأن هذا حق للحكومة».
كان ذلك القانون هو البند الرقم سبعة على جدول الأعمال. ومنه كرّت سبحة الاعتراضات الحريرية. حتى الاقتراح المتعلق بالموارد البترولية في البر اللبناني، طالب باسترداده بداية، قبل أن يكتشف أنه لا يحق للحكومة استرداد اقتراح قانون، فكان المخرج بتأجيل بتّ القانون إلى جلسة لاحقة.
وعلى هذا المنوال سارت الأمور مع 24 بنداً من الـ39، كان مصيرها إما التأجيل أو التحويل إلى اللجان. حتى كان كلما طلب الحريري الكلام وجد من يسبقه من النواب ليقول ساخراً «نطلب التأجيل». أبرز هذه الاقتراحات كان البند الأخير، أي البند المتعلق بإخضاع المناقصات العمومية لإدارة المناقصات. هو اللبنة الأولى في معركة مكافحة الفساد. وربما كان هذا كافياً لعدم إيلائه الأهمية التي يستحقها. طلب الحريري تأجيله، فيما أعلن نواب كثر أنهم لم يحصلوا على نسخة منه. كانت الساعة قد تخطت العاشرة مساء، وما أن حمل الرئيس بري مطرقته حتى كان الجميع يتدافع باتجاه باب القاعة.

كهرباء لبنان تحصل على سلفة خزينة بـ642 مليار ليرة.. ووزارة الصحة على 75 ملياراً


كل الكتل كانت موافقة على اقتراح القانون المتعلق بفتح اعتماد إضافي لمواجهة النقص في الدواء في وزارة الصحة، لكن مع ذلك، فإن أكثر من 25 نائباً أدلوا بدلوهم بشأنه. حتى الحديث عن المخالفة المرتكبة من وزير الصحة والمتمثلة في اتفاقه مع شركات الأدوية على توريد الأدوية قبل إقرار الاعتماد، كان خجولاً. النقاش الأساسي تركز على ضرورة إيجاد سياسة دوائية تسهم في تخفيض الكلفة. لم يمر ذلك من دون التذكير من قبل أكثر من نائب بأن الموازنة ليست حبراً على ورق، بل وضعت للالتزام بها لا لتخطيها. أما الأساس، فأتى على لسان النائب علي حسن خليل: حتى لو أقرّ القانون فهو غير قابل للتطبيق، بسبب عدم توافر الاعتمادات. كان اقتراحه أن يحدد المجلس طريقة التمويل. رد، بالحرف، على طلب النائب جهاد الصمد بصرف الاعتماد من احتياطي الموازنة: «الاحتياطي ما فيه ولا ليرة». ولذلك، كان همّ وزير المالية أن يعرف المجلس أن الوسيلة الوحيدة للتمويل هي الاستدانة، فيما كان النائب ابراهيم كنعان يوضح أنه ليس على مجلس النواب أن يأتي بالتمويل، بل إن ذلك من واجب الحكومة.
في الاقتراح المتعلق بزيادة سلفة الخزينة المقررة لكهرباء لبنان، تكرر النقاش نفسه. 642 مليار ليرة ليس مبلغاً بسيطاً، لكنه مرّ، وبتأييد من الحريري، الذي تغاضى عن مسألة «ما في مصاري»، مخيّراً النواب بين العتمة ودفع السلفة، فكان إقرار السلفة.
الإنجاز المنتظر كان في البند الـ19 المتعلق بتشكيل هيئة للتدقيق في مصير المفقودين قسراً. ذلك إنجاز فاجأ كثراً، ومنهم رئيس لجنة حقوق الإنسان ميشال موسى، واستدعى دموع التأثر من رئيسة لجنة المفقودين وداد حلواني (راجع: «وأخيراً أُقر قانون المفقودين: الجميع بريء «من دم هذا الصدّيق»!»). أما المفاجأة الفعلية، فتجلت في قلب التيار الوطني الحر للطاولة في وجه اقتراح القوات القاضي بتمديد امتياز كهرباء زحلة لسنتين. ملائكة أسعد نكد كانت حاضرة في كل القاعة. دفاع شرس عن الامتياز تولاه القوات وبعض المستقبل والكتائب. وحتى عندما أكد العونيون أن اقتراحهم القاضي باستبدال الامتياز بعقد إدارة مع الشركة نفسها سيؤدي إلى استمرار حصول أهل المنطقة على كهرباء 24 /24 لكن بسعر أقل، لم يجدوا من يقتنع بوجهة نظرهم من المؤيدين للامتياز. حجتهم أنه لا ثقة بالدولة ولا بإجراءاتها، وبالتالي لا ثقة بأن عقد الإدارة سيؤدي إلى النتيجة نفسها التي يؤمنها الامتياز.
استمات النواب جورج عدوان وسيزار المعلوف وجورج عقيص وعاصم عراجي وسامي الجميّل، إضافة إلى آخرين، بالدفاع عن الامتياز، فرفضوا أي خيار يؤدي إلى طرح اقتراح التيار على التصويت، جرياً على العادة، حيث يطرح أي تعديل على اقتراح أو مشروع على التصويت. أرادوا أن يطرح المشروع الأساسي (الامتياز) على التصويت. رفض بري بداية، لكنه أمام إلحاحهم وافق «خلافاً للأصول»، كما قال. لكن المفاجأة كانت في تراجعهم عن مطلبهم. أرادوا التأجيل فقط، بحجة أنهم لم يقرأوا الاقتراح الآخر. كانوا يدركون أنهم سيخسرون بالتصويت. حتى الفرصة التي أعطاهم إياها رئيس المجلس للاتفاق مع وزير الطاقة على صيغة مشتركة لم تصل إلى نتيجة. طلبوا توزيع اقتراح التعديل عليهم، ففعل بري. حاولوا تمرير اقتراح ثالث يقضي بأن يعمد رئيس الحكومة إلى التفاوض مع كهرباء زحلة للاتفاق على الامتياز أو على عقد الخدمات، فلم ينجحوا في ذلك. ارتفع الصراخ ودبت الفوضى وكاد بري يرفع الجلسة أكثر من مرة، لكنه في النهاية طرح اقتراح التعديل على التصويت (اقتراح التيار)، فرُفعت الأيادي المؤيدة، والحريري وبعض نواب كتلته منهم. قال النائب مروان حمادة سقط الاقتراح، فردّ عليه بري بالقول سقط وأنا نجّحته. طلب النائب سامي الجميل المناداة بالأسماء، إلا أن بري كان قد وضع الاقتراح خلف ظهره، وانتقل إلى بند تعديل قانون الإيجارات الذي أقرّ معدّلاً. تبقى خمسة اقتراحات. يطلب الحريري الكلام. واحد يُعاد إلى الحكومة وأربعة تؤجل.