«روسيا معنا، ومع كلّ الشعوب المضطهدة. وتعمل لإحلال السلام في مشرقنا الجريح، وليس لشيءٍ آخر. نُحيي روسيا، برئاسة الرئيس فلاديمير بوتين، وكنيسة روسيا بقيادة البطريرك كيريل، وشعب روسيا، ونحييكم جميعاً لأنكم جزءٌ من هذه المنظومة الضامنة لبقائنا ونجاحنا». تحية الأمين العام لـ«اللقاء الأرثوذكسي» مروان أبو فاضل لموسكو، كانت كافية لتحديد موقع الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية، في الخلاف المُستجد بين الكنيستين الشقيقتين الروسية والقسطنطينية، على خلفية منح الأخيرة الكنيسة الأوكرانية الاستقلال الكنسي، وقرار بطريرك القسطنطينية برثلماوس اعتماد أسقفين في أوكرانيا. أهمية كلام الوزير السابق، أنّه كان «ببركة» ممثل لبطريرك موسكو وكلّ روسيا في لبنان، وممثل بطريرك أنطاكية وسائر المشرق لدى بطريرك موسكو وكلّ روسيا. الثلاثة شدّدوا على «أنطاكية والكنيسة الأرثوذكسية الواحدة». وقد اجتمعوا، إضافةً إلى حشد من أبناء الطائفة الأرثوذكسية في لبنان، خلال اللقاء الثقافي السنوي السادس، الذي نظمّه «اللقاء الأرثوذكسي» يوم السبت في منطقة ضهور الشوير. وقد حضر ممثلون عن معظم الأحزاب والقوى السياسية... باستثناء القوات اللبنانية.

أتت التطورات التي تشهدها حالياً الكنيسة الأرثوذكسية «الجامعة»، لتُشكّل العنوان العريض لكلمات المُتحدثين. «نحن ننتمي إلى أقدم الكنائس المقدسة»، قال ممثل بطريرك أنطاكية وسائر المشرق لدى بطريرك موسكو وكلّ روسيا، المتروبوليت نيفن صيقلي، قبل أن يؤكد أنّه «لا يُمكن أن نكون غير مكترثين لما يحصل في العالم». انطلق ابن زحلة من الصليب المُقدّس الذي هو «الحبّ من دون حدود»، ليُخبر بأنّ التحدي اليوم هو بمواجهة «اللامحبة أو النقص فيها». ولم يجد صيقلي أفضل من الخلاف بين الكنيستين الأنطاكية والمقدسية حول الكنيسة في قطر، ليُقدّمه كمثالٍ عن كلامه. ففي عام 2013، عين بطريرك الكنيسة المقدسية ثيوفيلس الثالث، الأرشمندريت مكاريوس رئيساً على أبرشية جديدة استُحدثت في قطر. أدّت الخطوة إلى قطع الشراكة الكنسية بين المقدسية وأنطاكية، بسبب ما اعتبرته الأخيرة تعدّياً على حدودها القانونية. «القصة ليست في أنّ أحداً سرق ممتلكاتنا، القضية هي في نقص المحبة. أورشليم (قاصداً الكنيسة المقدسية) خلقت هذا النزاع. إنّه الطمع البشري». وأضاف صيقلي أنّ ما تقوم به «المقدسية»، عملٌ «مُسيس، فليس هناك من سرّ أنّه في قاعة ضيافة البطريرك في القدس، صورة زيتية لأمير قطر. نقول لصاحب الغبطة (ثيوفيلس)، بأنّه ليس من صداقة يُمكن أن تُغيّر القوانين الكنسية، لا سيما قوانين الرسل»! وختم صيقلي كلمته الرسمية، بالتأكيد أنّه «من المهم في الأيام الصعبة، أن نكون جميعاً فرقة واحدة على فكرٍ واحد في أية رحلة روحية، مساندين وبثقة كاملة رئيسنا البطريرك (يوحنا العاشر يازجي) المؤتمن علينا».
تأخّر ممثل بطريرك روسيا في لبنان، الأرشمندريت فيليب فاسيلستيف، في الوصول، فاعتلى صيقلي المنبر من جديد: «يا سندي، يللي عندو سؤال يسألني». رفض المتروبوليت الإجابة عن سؤالٍ حول الخلاف بين أوكرانيا وروسيا، ولكن بموضوع الكنيسة المقدسية وقطر أجاب أنّ «القصة مُسيسة، وحين تعود قطر صديقة لسوريا كما كانت سابقاً، تعود الأمور إلى طبيعتها. لا يوجد خلاف عقائدي».

قال أبو فاضل إنّ «روسيا معنا، وتعمل لإحلال السلام في مشرقنا الجريح»


مع وصول الأرشمندريت فاسيلستيف، كانت «كلمة كنسية»، كما وصفها. قدّم خلالها سرداً تاريخياً، ليشرح «إحدى أهم التحديات، ما يجري في عالمنا المعاصر، في أوكرانيا». أخبر عن روسيا وأوكرانيا، «الشعب الواحد والبلاد الواحدة، على الصعد كافة». ولكن اليوم، هناك محاولات «للفصل بين هاتين الكنيستين والشعبين. هذا الأمر أصبح واقعاً بعد وصول اثنين من مطارنة القسطنطينية إلى أوكرانيا. والانقسام الذي سيحلّ في أنفس المواطنين والشعب والدولة، سينعكس على كلّ الكنائس الأرثوذكسية، لأننا في أي بقعة عالم أرثوذكسي واحد موحد». انطلاقاً من هنا، قال فاسيلستيف إنّه «نُعوّل على الدعم من الكنيسة الأنطاكية، التي وقفت منذ البداية مع الكنيسة الأرثوذكسية الروسية. آمل أن نكون مع الكنيسة الأنطاكية معاً، لتجنيب العالم الأرثوذكسي الانقسام الذي يحصل في أوكرانيا».
يُمكن اعتبار كلمتَي صيقلي وفاسيلستيف، تمهيديتين للموقف الذي سيُتخذ في المجمع الأنطاكي الأرثوذكسي المقدّس، بتاريخ 3 تشرين الأول المقبل. ويُضاف إليهما دعم «مدني» من منبر «اللقاء الأرثوذكسي»، الذي يقف بوجه الجبهة اللبنانية الداعية إلى فصل الكنيسة اللبنانية عن بطريركية أنطاكية، وفصل أبرشيات لبنان عن تلك السورية. فقد أكد أبو فاضل «أمام هذه القضية الخطيرة، على وحدة أنطاكية بكل معاييرها، بجغرافيتها، ومؤسساتها، وشعبها، عهداً بأنّنا سنحمي هذه الوحدة. ومن لا يكون على هذا الدرب، هو في مكان ما يخون رسالة المسيح».
لم تغب السياسة المحلية عن لقاء السبت، فقال أبو فاضل إنّ منصب نائب رئيس الحكومة يجب أن يكون لمن «يُمثّل الوجدان الأرثوذكسي، وحارب لطائفته ووجودها، غير مُتكل على المال بل النضال اليومي، موجود مع الموجوعين عوض أن يكون يعيش في مكانٍ ما وبعدها يُقرر أن يأتي ويُمثل الأرثوذكس». إضافةً إلى أن يكون الشخص «من خارج البطاقات الحزبية، فنائب رئيس الحكومة كما نائب رئيس مجلس النواب، هما بأهمية منصب رئيس». وإذا كانت هناك «كُتل نيابية لديها عدد من النواب الأرثوذكس، من حقها أن تتمثل ولكن بالوزارات وليس بنائب الرئيس».