ذعرٌ حول صعود الإسلاميّين من فراغ ما بعد التقلّبات العربيّة. هواجس من مغبّة وصولهم إلى السلطة هناك وهنالك.

مَن الخائف؟ المسيحيّون مقذوفون إلى الواجهة، ولا سيّما في مصر وسوريا ولبنان. لماذا المسيحيّون؟ الخوف الحقيقي الأكبر هو بين المسلمين المعتدلين والعلمانيّين، فهم أكبر المتضرّرين من حكم الأصوليّة. أمّا المسيحيّون، ففي مصر اعتادوا الحرمان وفي سوريا الاندماج وفي لبنان «التعايش».

والواقع أن الموضوع هو عند الإسلاميّين أنفسهم، لماذا نحمل همّهم وقت يجب أن يحملوا هم هذا الهمّ؟ مسؤولياتهم أمامهم، وهي صارخة الوضوح، فليتحمّلوها. لقد آلت الكفّة إليهم. هذا ما أرادوه وما استسلمت إليه الأكثريّات راغبةً أو لاهية. وعلى الإسلاميّين من المحيط إلى الخليج أن يتعاملوا مع الشعوب والعالم أجمع على أساس أن كل تصرّف يقدمون عليه هو امتحان لإسلامهم. الحكم باسم الدين محكوم بالاشتباه والريبة في كلّ زمانٍ وكلّ مكان، ونادراً، بل الأرجح ولا مرّة نجا من الإدانة. بين الإسلاميّين، وقُلْ بين المسلمين عموماً، مَن يرحّب بمنح السلفيّين فرصة. والديموقراطيّون يقولون: الأكثريّة تريدهم، فلننحنِ للديموقراطيّة. حسناً، أضف إلى الديموقراطيّة الحسابات الأميركيّة والإسرائيليّة التي تبني على صعوبة تكيُّف الأيديولوجيّات الإسلاميّة مع تحدّيات الحداثة وتُعلّق الآمال على تعميق التخلّف العربي، فضلاً عن إهداء الكيان الإسرائيلي كيانات دينيّة تُساوي بين دول الشرق الأوسط في تقاسم التعصّب والرجعيّة ... أضف هذه العوامل ومعها تناقضات المجتمعات العربيّة القابلة للاشتعال لألف سببٍ آخر، بل ولأتفه الأسباب، لا تعود تتبيّن مَن يرفض ومَن يقبل ومَن له قدرة ومَن ليس له إلّا أن يُدار.
بصرف النظر عن الحيثيّات، وعمّا إذا كان استتبّ الأمر للإسلاميّين أم لا يزال في طور التهيّؤ، لنضعهم، نحن غير الإسلاميّين وغير الأصوليّين وغير السلفيّين، نحن المتوجّسين والمستهولين، لنضعهم أمام مسؤوليّاتهم وليتحمّلوها: أيّها الإسلاميّون، إخواناً وغير إخوان، أنتم مؤتمنون بعد اليوم على سلامة المختلفين عنكم، أقليّاتٍ وأكثريّات، وعلى أمنهم النفسي والاقتصادي والاجتماعي والسلوكي وحريّة معتقداتهم وممارساتهم وطقوسهم وحريّة تعبيرهم، وكلّ شعرةٍ تسقط من رؤوسهم فرادى وجماعات ستكون اتهاماً لإسلامكم.
كلام، صحيح، غير أنّه على وضوح لم يكن متاحاً في ظلّ الأنظمة «العلمانيّة». لقد فظّع صدّام حسين بالشيعة والأكراد ولم يفتح أحد فمه، وفظّع «الأشباح» بالأقباط ولم تحمهم مسالمة البابا شنودة، وفظّع «المجهولون» بالمسيحيّين وغير المسيحيّين في عراق ما بعد صدّام ولم يجرؤ أحد على اعتقال أحد منهم، وجميعهم معروفون، في الموصل على الأقلّ وفي غيرها تماماً. والآن يُفزّعون مسيحيّي سوريا بشبح الإسلاميّين ومسيحيّي لبنان بشبح الجميع.
وعلى ذكر لبنان، الغائب الأكبر عن أحداث العالم العربي، لن ننسى كيف جلس العرب يستمتعون بانفراد حافظ الأسد في «تربية» اللبنانيّين ثلاثين سنة، ثلاثين سنة كان من المأمول، لو مضى لبنان في استكمال انبعاثه منذ الأربعينات والخمسينات والستينات، دون أن تصطاده شبكات الاستخبارات السوريّة، لو تابع نموّه بصورةٍ طبيعيّة لكان اليوم غير ما صار إليه من تمزيقٍ وانحدار. كان التوسّع في الحريّة كفيلاً وحده بحمايته من نفسه ومن جيرانه، وبدفعه إلى استتمام عناصر شخصيّته الفذّة القائمة على خليطٍ عجيب من الفولكلور والعالميّة، من اللاأخلاق والمثاليّة، من المركنتيليّة والصوفيّة، ومن المارونيّة الفرنسيّة والمارونيّة الفلّاحيّة والمارونيّة الكارهة ذاتها، مع إسلامٍ يضرب لإسلام العرب والعالم مَثَلاً في الفرديّة والألمعيّة وعدم ممالأة السلطة، إلى مزيج من الطوائف الأخرى لم تعرف ولن تعرف تراباً لها أخصب من تراب لبنان.
ما حصل حصل والحاصدة ماضية في الحصد والشعوب في الرقص على أنغام الحواة. تريد أميركا مديرين عامّين وقائمقامين محلّ الطغاة والملوك. رؤساء مجلس إدارة. أليست هذه هي الديموقراطيّة؟ راجع خريطة أوروبا الشرقيّة. حكّام موظّفون. بلا وجوه ولا ظلال. لا نجوم بعد اليوم إلّا في هوليوود.
... ونضرب شيعة السعوديّة بسنّتها وسنّة البحرين بشيعتها وأهل الخليج بإيران وإيران بإسرائيل وإسرائيل بإيران ودول المغرب ببربرها والبربر بعربها والأردن بفلسطينيّيه وأوروبا بمسلميها. لقد استراح اليهود، هذه الأقليّة المزعومة، بإشعال فتيل العنصريّة والطائفيّة والمذهبيّة في نفوس الآخرين الذين راحوا يلعقون دم بعضهم بعضاً بشراهة الحرب الأهليّة، النظريّة والدمويّة، المعروفة تاريخيّاً بأنّها «أصدق» الحروب.
أيّها الإسلاميّون العرب، لا تتشجّعوا بالمثال التركي، أنتم واقعون في فخّ أكبر.




وجع العنقود

نتألّم انخطافاً بالنعمة أكثر ممّا نغتبط لحدوثها. الألم «أقرب» وأسرع. ينفطر القلب إذا غنّى بلبل، وإذا ابتسمت فتاة حزينة. نشوة السرور مداعبة، مداعبة تأهيليّة تقول لنا إنّنا لم نتبحّر بعد في الجميل. كلّما اشتدّ الانخطاف اعتصر، وما يعتصر يوجع.
وَجَع العنقود عندما يجتاز المسافات إلى الخمر.




خَطْف

شواهق الجبال المشرفة على الوادي السحيق، حيث يقف الناظر على شفير الشفير، ويغمر روحه الرعبُ من زلّة قَدَم، رعبٌ لذيذ ترتعش له السماء وتوشوش له الأعماق وتلفّه كزوبعةٍ تخاصرت فيها الحياة
والعدم ...
هذا الشعور هو ما تبعثه كلماتٌ مفعمةٌ باجتياز الحدود، كلماتٌ دُواريّة، هي جزء من زرقة غيم الليل تحت برق البحر، وجزء من توهّج البَرْق الكونيّ في الإنسان.
منحدرات الروح إلى ما وراء الحدود، وإطلالاتها في شواهق فيضها ...



عابرات

عيونُ الأطفال تنتمي الى بلد واحد هو الأمل المطلّ على جرحه.

■ ■ ■

الطفل عارف ... القَدَر هو الذي لا يعرف أن الطفل عارف.

■ ■ ■

لا وجودَ لِلَهوٍ بريءٍ في الإنسان إلّا تحت طائلة القصاص.

■ ■ ■

في النسر أفاعٍ وفي الأفعى نسور: الأوّل عندما ينقضُّ على الحيوان الوديع، والثانية حين تَعفُّ عن اللدغ.

■ ■ ■

ما أغنى الفقير حين يصادف شحّاذاً يستعطيه! وما أسعد الشحّاذ بكَرَم الفقير!

■ ■ ■

هجعةُ الناس خَطَر ويقظتهم ضجيج. الغابة تصحو في نوم الليل وتنام في صحو النهار.

■ ■ ■

ما أمَرَّ التوبة عن خطيئةٍ كوفئ المرء عليها واستحقّ الإعجاب! ماذا يتبقّى له بعد تَطَهُّره!؟

■ ■ ■

لأنانيّة الحبّ فضيلةُ دفع المحبوب إلى مشابهةِ الصورة الجميلة التي يتخيّله فيها العاشق.

■ ■ ■

الشفقة، أكثر من الخوف، هي التي تجعلنا نؤجّل التلفّظ بالكلام الحاسم الذي يصرّح به الإنسان أمام الموت. وإذا سَبَقَ الموتُ الكلام، فقد يُؤسف لهذا التأخّر، ولكن الميت سيكون سعيداً ...

■ ■ ■

شبقُ المرأةِ مثير لأنّه عنفُ اللطف، شبقُ الرجلِ مخيف كموجةٍ عاتية.