من مكتبه في الطبقة الثامنة من «برج لافاييت»، يطلّ رئيس «الهيئة العليا المستقلة للانتخابات»، كمال جندوبي، على منظر بانورامي لأحياء وسط تونس العاصمة. كل صباح، يستطيع أن يرصد من شرفته الحراك الشعبي المتّقد. منذ أن أطاحت «ثورة الكرامة» طاغية قرطاج في 14 كانون الثاني (يناير) الماضي، لا يكاد يمر يوم على موطن الشابي من دون حراك شعبي جديد...


لكن كمال جندوبي لم يعتد الوقوف في موقع المتفرج على الجماهير الشعبية. بعد يومين فقط على هروب الطاغية، حزم المناضل الحقوقي حقائبه، وعاد إلى الوطن بعد 17 سنة من الإقامة في المنفى الباريسي. لم ينتظر أن تتضح الرؤية، كما فعل آخرون. ولم يطلب أن تُمنح له «ضمانات» للعودة. «كان رد الفعل فطريّاً. حزمتُ حقائبي وقفزت في أوّل طائرة من دون تفكير. الثورة التونسية فاجأت العالم أجمع.
وكان الحراك الشعبي جارفاً ومبهراً، لكنّ أحداً لم يفكر مسبقاً في كيفية إدارة الفترة الانتقالية. الحركات الاحتجاجية لم يكن لها برنامج سياسي ولا قادة محدّدون. كان الهدف الوحيد التخلص من بن علي. لذا، رأيتُ أن من واجبنا جميعاً أن نتكاتف بنحو عاجل لبلورة مشروع مجتمعي من شأنه إرساء قواعد الديموقراطية بعد عقود من التسلط». كان المشهد في لحظة العودة إلى الوطن بالغ التأثير. رغم مرور 10 أشهر على «14 جانفييه» ما زال جندوبي يغصّ حين يتذكر لحظة نزوله في مطار قرطاج، بعد أعوام المنفى الطويلة. تخونه الكلمات: «كانت صدمةً جارفة... شعور لا يوصف!».قبل أن يكون أحد أبرز نشطاء حقوق الإنسان خلال عهد بن علي، انتمى جندوبي إلى الحركة اليسارية العمالية في سبعينيات القرن المنصرم. ماذا كان شعور هذا المناضل حين رأى الثورة الشعبية ـــ التي طالما حلم بها وناضل من أجلها ـــ تشتعل بعد عقود من اليأس والإحباط؟ «حين عدتُ إلى البلاد، لم أفكر في أي منصب أو دور سياسي. أردت الانخراط مع الجماهير، والعمل إلى جانبها لحماية الثورة وإنجاحها». بعد سقوط الطاغية، كان لا بد من «لجنة خلاص» شعبية، تسهر على «حماية الثورة». وإذا بكمال جندوبي يجد نفسه، على غرار عشرات المناضلين الحقوقيين، وممثلي المجتمع المدني، عضواً في «الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة». ثم طلب منه تأليف «الهيئة العليا المستقلة للانتخابات» ورئاستها، التي كلِّفت الإعداد لانتخاب مجلس تأسيسي سيتولّى سنّ دستور جديد للبلاد.
لم يكن خافياً على كمال جندوبي أن المهمة شاقة، وبالغة التعقيد. زوجته الفرنسية إيديت، باحثة متخصصة في شؤون أوروبا الشرقية، وقضت سنوات طويلة في دراسة إشكالات التحوّل الديموقراطي في بلدان عاشت عقوداً من التسلط والحكم الأحادي. وهذا يساهم في حمايته من مطبات المثاليّة؛ إذ يلفت إلى أنّه لا يحمل أحلاماً ورديّة، أو تصوّرات طوباويّة للمستقبل. «كنت أعرف مسبقاً أنّه يجب إعادة البناء من الصفر، وأنّ عقبات كثيرة ستعترضنا. المهمة المنوطة بنا في تحديد الأطر الانتخابية، لم تكن محل إجماع جميع الأفرقاء السياسيين». كانت المهمة التي تولّتها الهيئة على مدى الأشهر السبعة الماضية، شاقّة وحافلة بالمفاجآت. «لم يكن هناك بنك معلومات موحّد للوائح الانتخابية. وحين دققنا في الأمر، اكتشفنا أن قرابة مليون شخص متوفون وكانوا لا يزالون مسجّلين على لوائح الناخبين، وكانت أصواتهم تُستعمل في عهد بن علي للتلاعب بالنتائج! وكنّا مطالبين أيضاً بقطيعة جذرية مع النظام السابق، في حين أن كل الأشخاص الذي يملكون تجربة إدارية، كانوا مرتبطين بشكل أو بآخر بالحزب الحاكم السابق».
انطلقت «الهيئة العليا المستقلة للانتخابات» بنواة صلبة، ضمت 16 شخصية مستقلة، كلفتها هيئة حماية أهداف الثورة الإعداد لانتخابات المجلس التأسيس. وسرعان ما وسّعت صفوفها، لتستقبل 500 كادر إداري وقانوني، أشرفوا على مراجعة اللوائح الانتخابية، وإعداد قانون الاقتراع. المهمة لم تكن تنظيمية وقانونية فحسب، بل تربويّة أيضاً: «بعد 23 سنة من الحكم التسلطي، كان لا بد من حملة توعية واسعة لتحفيز الناس على التسجيل على اللوائح الانتخابية، وإقناعهم بأنّ أصواتهم هذه المرة سيكون لها وزنها وتأثيرها».
رغم الجهود الجبّارة التي بذلتها الهيئة على مدى سبعة أشهر، لم يكن عملها محل إجماع على الدوام، وخصوصاً في ما يتعلق بالجوانب القانونية والتشريعية. بعض الإجراءات التي اتخذتها، بدافع ضمان تكافؤ الفرص بين كل المتنافسين، جعلتها عرضة للانتقادات من هذا التيار السياسي أو ذاك. قرار تأجيل الانتخابات من 24 تموز (يوليو) إلى 23 تشرين الأول (أكتوبر) من لاستكمال الاستعدادات، رآه بعضهم محاولةً لتأخير التغيير أو الالتفاف عليه، بينما تخوّف آخرون من «ضغوط سرية تحاول تعطيل الانتخابات». من جهة أخرى، أثار قرار «الهيئة» حظر الإعلانات الإشهارية ذات الطابع السياسي، انتقادات الأحزاب الكبرى التي رأت فيه تضييقاً على الحريات. لكنّ تيارات أخرى عدّة أيّدته، بوصفه إجراءً يحصّن عملية التغيير الديموقراطية من تأثيرات «سلطة المال».
ولم يمر اختيار نظام الاقتراع بالأغلبية النسبية من دون إثارة الجدل. لكن كمال جنودبي تمسّك بـ«أسلوب الاقتراع الأمثل، لأنّه يحول دون هيمنة لون أو تيار سياسي واحد على المجلس التأسيسي. هذا المجلس سيتولّى سن الدستور، وبالتالي يجب أن تكون كافة مكونات المجتمع ممثّلة فيه...». وقد سنت «الهيئة» أيضاً قاعدة تنص على تساوي عدد النساء والرجال في كل القوائم الانتخابية. وبالرغم من أن أي حزب لم يعترض على هذه القاعدة، إلا أن كمال جندوبي يأسف لأن بعضهم ـــــ كما يقول ـــــ قبلوا بها على مضض، إذ اقتصر الحضور النسائي غالباً على أدوار ثانوية في أغلب القوائم المتنافسة، ولم يتعدّ عدد القوائم التي تقودها شخصيات نسائية الخمسة في المئة!
أمّا عن الانتقادات المختلفة التي وُجّهت إلى «الهيئة العليا المستقلة للانتخابات»، فيرى كمال جندوبي أنّها طبيعية ومتوقعة. هي هيئة مطالبة بدور تحكيمي يسهر على تكافؤ الفرص بين جميع المتنافسين، في حين أنّ كل تيار سياسي يؤيد القرارات التي يراها في مصلحته. ويخلص إلى القول: «لم تكن المهمة سهلة، لكنّنا أنجزنا الأهم، وهو اتخاذ إجراءات كفيلة بإنجاح هذا الاقتراع المصيري من خلال تحصينه ضد خطر مزدوج، ألا يؤدّي إلى انتكاسة تُعيد البلاد إلى ما قبل 14 يناير، وألّا يكون في الوقت ذاته ارتماءً في أحضان المجهول». صباح اليوم التالي للانتخابات التي تفتح صفحة جديدة في تاريخ تونس والمنطقة العربيّة، بوسع المايسترو أن يشعر بالرضى، لكنّه لن يخلد إلى الراحة، فهو يعرف أن الطريق لا تزال في بداياتها، وأنّها ستكون شاقة وطويلة...




5 تواريخ


1952
الولادة في تونس العاصمة

1994
غادر إلى باريس إثر مضايقات من نظام بن علي، بسبب نشاطاته السياسيّة والحقوقيّة ومواقفه المعارضة

2003
ترأس الشبكة الأورو ـــ متوسطية لحقوق الإنسان

2010
بات ليلة 30 أيلول/ سبتمبر في المطار، بعدما منعته السلطات المغربيّة من دخول أراضيها تلبية لدعوة المنظمة المغربية لحقوق الإنسان

2011
وصل إلى تونس بعد يومين على هروب الطاغية، وفي نيسان (أبريل)، كلّفته «الهيئة العليا لحماية أهداف الثورة» تأليف «الهيئة العليا المستقلة للانتخابات» التي أعدّت انتخابات «المجلس التأسيسي» يوم أمس