مثل كل الفلسطينيين المنكوبين، لدى إيمان سعيد حكايتها الشخصية المريرة مع الترحال. فقد ولدت في الكويت، قبل أن ترحّل عائلتها قسراً من «بلاد الزيت والرمل» إلى دمشق في مطلع التسعينيات، إثر حرب الخليج . كانت دمشق بالنسبة إليها مكان الإجازة الصيفية، والأمكنة المفتوحة على البهجة. الاستقرار في هذه المدينة الكبيرة أصابها بصدمة لم تألفها من قبل. كان عليها أن تتخلى عن رفاهية السائحة، وتتعلّم كيف «تتشعبط» في باصات النقل الداخلي، وأن تواجه الحياة بأظافرها، في مواقف كثيرة، إلى أن انخرطت في عمق المجتمع الشامي بكل طقوسه السريّة، من دون أن تغلق خيمتها المفتوحة على احتمال ترحال آخر.


هاجس اللجوء ظلّ يلح عليها «على الرغم من أنّني نزعت عن فلسطين جلد القبيلة لأختارها لاحقاً بوعي مختلف» تقول. هذا الهاجس كان مفتاحها الأول في اكتشاف معنى اللجوء بطبقاته المتعددة، وإغراء معرفة الآخر عن كثب. هكذا نسجت خيوط حكايات متشابكة في عملها الدرامي الطويل الأول «سحابة صيف» (2009) مع المخرج مروان بركات. لاجئون فلسطينيون، وعراقيون، ونازحون سوريون من الجولان، والأرياف البعيدة، في جغرافيات عشوائية، يعيشون خيبات وخسارات حياتية متوالية، في متاهة قيم وسلوكيات اجتماعية متباينة تفرضها عشوائية العيش المشترك. ستختم مسلسلها بمشهد تسلم هؤلاء اللاجئين إنذارات هدم لبيوتهم، وترحيلهم إلى عراء آخر. الرقيب التلفزيوني سيمنع هذا المشهد، وإذا بالحكاية تنتهي على نحو أقلّ عنفاً ودراماتيكية. هل كانت نبوءة مبكّرة لنزوح آخر؟ تجيب بمرارة «ما نعيشه اليوم يشبه ما توقّعته. فأنا مشرّدة الآن بين ثلاثة أمكنة، ولا أعلم أين سينتهي بي المطاف».
تتذكّر هنا موعداً مؤجلاً للحصول على بطاقة إقامة جديدة من إدارة الهجرة والجوازات، بوصفها من حاملي الهوية الأردنية ــ الفلسطينية، كما لا تتردد في استحضار فاتورة اللجوء الأولى من خلال حكاية والديها وقصة حبهما التي جمعت لاجئة من حيفا بعاشق من جنين. الحياة بالنسبة إلى كاتبة السيناريو الفلسطينية، أسيرة الأقدار غير المتوقّعة والمصادفات، ولكل مصادفة مفتاحها الخاص في ولوج فضاءات جديدة. كان مفتاحها الأول في دمشق، مكتبة أحد أقربائها. غرقت الشابة المتعطشة بنهم للقراءة، في أسرار الفلسفة والأدب، وتجوّلت بين فضاءات متعددة، إلى أن واجهتها صدمة كبيرة، تسميها صدمة «الخبز الحافي». الواقعية الخشنة في عمل محمد شكري، وضعتها في أتون ألغاز أخرى لبشر لم تتصوّر في أكثر اللحظات سريالية، أنهم موجودون في الواقع، لكنها في المقابل وقعت في «غواية الكواليس»، أو وقائع الحياة المهملة. الكواليس والهامش وشخصيات الظل، سوف تكون مفاتيحها الجديدة للكتابة التي لم تخطر في بال طالبة علم النفس في جامعة دمشق خوض غمارها من قبل «كنت أتطلّع لتحقيق طموحات أكاديمية في المقام الأول من دون أي أوهام». خلال عبور الحافلة كل يوم من كلية الآداب إلى قلب المدينة، لفت انتباهها مبنى يحمل لافتة «المعهد العالي للفنون المسرحية»، فقررت الانتساب إلى قسم الدراسات المسرحية في المعهد. من بوابة هذا الصرح الفني، شقت طريقها إلى العروض المسرحية، ودور السينما، والسجالات الساخنة، و«كسر منطق المحرمات الاجتماعية»، قبل أن تستدرك بقولها «ليس لدي منطق العلماني الذي ينظر إلى بيئته من فوق، بل على العكس تماماً. هناك مساحة للاشتباك والتلاقي». في مرآتها الجديدة، تجاوزت منطق الواجب في قراءة الأدب الفلسطيني، فها هي تجد فسحة أخرى لدى غسان كنفاني، أو محمود درويش، وسوف تسحبها أعمال جبرا إبراهيم جبرا، وإبراهيم الكوني إلى بساط آخر «كنت أجبن من أن أكون كاتبة، فكلما قرأت رواية لغابرييل غارسيا ماركيز، أو دوستويفسكي على سبيل المثال، أشعر بالرعب أمام الورقة البيضاء، لكنني في مرحلة لاحقة، تخلّصت من قراءة جلد النفس بتأثير لقب هذا الكاتب العظيم أو ذاك. تقنية السرد وحدها من يغويني في متابعة هذا النص أو ذاك».
علاقتها المباشرة مع الكتابة، بدأت بتعديل نص مسرحي مرتجل لمتخرجي إحدى دفعات التمثيل في المعهد المسرحي بتشجيع من المخرج السوري فايز قزق، ثم معالجة نصوص تلفزيونية وسيناريوات سينمائية. تعلّق إيمان سعيد على هذه الفترة بقولها «وجدت نفسي في موقع إسكافي النصوص، أقوم بتركيب «نص نعل» للنصوص العرجاء، إلى أن مللت من هذه المهنة، فغامرت في كتابة نصوصي الخاصة». لم يكن «سحابة صيف» مجرد عتبة لدخول السوق التلفزيونية، بقدر ما كان مشروعاً لكتابة درامية مفارقة، تضع التصورات البصرية في صلب الكادر «بات غرامي بالصورة موازياً للكلمة، وربما أكثر، إذ إنني أبذل جهداً في رسم حركة المشهد، بقدر اهتمامي بالحوار، كما أسعى للاشتغال على الدلالات الخاطفة، رغم أن بعض المخرجين لا يضع اعتباراً لجمالية المشهد». الرهان على الجملة البسيطة المشبعة التي تتجاوز الكلام المجاني، أو ما هو سماعي نحو المرئي، وتحرير المونولوج الداخلي للشخصية، تطلّع أساسي لدى هذه الكاتبة التي تعمل بصمت، ذلك أنّها تنظر إلى السيناريو بوصفه «مشروع بحث لتأصيل جنس إبداعي، لا يزال بعضهم يتعامل معه بخفّة، استجابة لشروط المحطات التلفزيونية التي جعلت الدراما لعبة سوق أولاً وأخيراً». وتضيف: «أرغب في كتابة نص فانتازي متحرر من الوثيقة التاريخية، وأن أستعيد سحر الشرق بعيداً من ألف ليلة وليلة، ورقص السماح، نحو الحكاية الأولى بكل مبالغاتها الحسيّة
والدرامية».
تجربتها في مشروع «رفع بصمات» مع المخرج عبد الله شحادة، فتحت أمامها آفاقاً إضافية في رسم بورتريهات لأصحاب مشاريع في حقول إبداعية متعددة، أغلبهم يعمل في الظل. هكذا أنجزت 15 شريطاً وثائقياً بتمويل من «المؤسسة العامة للإنتاج التلفزيوني». اتصلت أولاً بالشاعر أنسي الحاج، كي يكون أحد ضيوفها، وعلى عكس ما توقّعت، وافق على الفكرة. حملت كاميرتها إلى بيروت وقابلت صاحب «لن» في حوار طويل وغني بالمواقف الإنسانية، كما تقول، كما أنجزت بورتريهات أخرى مع السينمائي اللبناني بهيج حجيج، والموسيقي نوري اسكندر، والإعلامية هيام حموي، والتشكيلية عتاب حريب، والمخرجة رشا شربتجي وآخرين. تجربة أتاحت لها معرفة مساحات غير معروفة بالنسبة إليها «وكأنني عشت حيوات هؤلاء الآخرين بتفاصيلها». تصمت قليلاً وهي تسترجع مغامرتها هذه، ثم تضيف: «أفكّر في استثمار جوانب من سير هؤلاء في عمل درامي، نظراً إلى ثراء تجاربهم الحياتية».






5 تواريخ

1975
الولادة في الكويت
لعائلة فلسطينية مهاجرة

1997
أنهت دراسة علم النفس
في جامعة دمشق

2003
تخرّجت من المعهد العالي للفنون المسرحية في دمشق (قسم النقد).

2009
أنجزت مسلسلها التلفزيوني الأول «سحابة صيف»

2012
مشروع أفلام وثائقية
بعنوان «رفع بصمات»