ما هو أغلى

على هامش الضجيج حول قانون الانتخابات النيابيّة:
إذا كنا نفهم تأييد العماد عون لمشروع «اللقاء الأرثوذكسي» بوضع هذا التأييد في سياق سياسات عون بعد عودته من باريس، فإننا لا نفهم تأييد الكتائب والقوات. إن كان من باب اللحاق بالقطار فهو باب يُضعف شوكة الهارعين إليه. لقد سبقهم عون وما كان على الموارنة الآخرين إلا أن يتشبّثوا بمبدأ التعايش الذي على أساسه قام لبنان. كانوا سيربحون أنفسهم ولو خسروا الانتخابات.

يكشف هذا التهافت قصْر نظر بقدر ما أظهر توزّع المسيحيين، نصفاً مع الشيعة ونصفاً مع السنّة، حكمة ولو غير مقصودة.
كان من الأفضل لو بقي ذلك التوزّع على حاله. العيش المشترك أغلى من مقاعد تافهة في نادٍ للنواب.
والعلمانيّة وفصل الدين عن الدولة أغلى من الواقع الاجتماعي المهترئ.
والمواطن أغلى من الماروني والشيعي والسنّي والدرزي.
والانسان أغلى من الجميع.
والبداية من صفّ الروضة في المدرسة.





من رسائل نزار
في مطلع حياتي الكتابيّة استمتعتُ بكراهية الكارهين لي، وكانوا كلّهم من الأدباء. ولما بدأ الدولاب يدور اكتشفت كم أنا محتاج إلى حبّ الآخرين ولو اضطررت في سبيل ذلك إلى بذل الجهود للحصول على إعجابهم.
وكما في الكراهية كذلك في الحبّ. نوعيّات وأجناس. كنت استعذب كراهية رجاء النقاش وسهيل إدريس وإنعام الجندي وغسّان كنفاني، وأجدّد منها عدوانيّتي وتوتّري، فتربتها كانت خصبة، بينما كانت عقيمة يابسة رغم توحشّها كراهيات العقائديين، كالناصريين والشيوعيّين، لا تترك في الفم غير طعم اليأس.
المدن الناهضة، كما كانت بيروت في الخمسينات من القرن العشرين، هي عادةً مدن متحاسدة، وأوساطها الأدبيّة والفنيّة تغلي بنشاطَي الخَلْق (أو البحث عنه) والمنافسة والبغضاء، يكلّلها جميعاً غرور التجديد أو قلقاتُه.
عندما وصل وقت المحبّة انهمرتْ دفعة واحدة وادمنتُها حتّى البطر وما عدت أطيق التنويع. في كلّ كائن أنثى ينعشها الدلال.
أولى الصداقات في العهد الشعري اكتشفتها مع شوقي أبي شقرا رائد الأصدقاء ونِعْم الشريك، وأدونيس وخالدة سعيد كبيرَي العرّابين، ولا تزال عبارة أدونيس عنّي ودراسة خالدة عن «لن» مدماكين رئيسييّن من مداميك ذاكرتي ومصدرين عظيمين من مصادر قوّتي. هل أمضي في التعداد؟ أخشى الإملال، وليست هذه مذكرات إنما هي تمهيد لقول كلمة عن نزار قبّاني.
المناسبة صدور كتاب فاخر للأستاذ هنري زغيب بعنوان «نزار قباني... متناثر كريش العصافير» (منشورات درغام) يتضمّن أربع عشرة رسالة غير منشورة من نزار إلى هنري على جولتين:
زمنَ كان صاحب «طفولة نهد» مقيماً في جنيف (1989 _ 1990)، وزمن من إقامته في لندن (1992 _ 1993) حيث بقي إلى يوم رحيله في الثلاثين من نيسان 1998.
أربع عشرة رسالة يجد فيها عشّاق نزار شاعرهم بحذافيره، هو هو، رسائله تغنّي أو تَدْمع كما تفعل قصائده، وسرّه ذائع كشهرته: سرّه الحبّ.
كانت محبّته لي (وهذه الرسائل تشير أحياناً إليها) تشعرني بدفء غامر، دفء لا يخلو من تبكيت ضمير بسبب ما تخلّل بعض مواقفي حياله من قسوة. كان فيه أخوّة بل أبوّة حاضنة يضاعف من سخائها كونها صادرة عن شاعر ارتوى نجاحاً ورواجاً وعن رجل كان محطّ إعجاب الحسناوات من كلّ الأعمار والأمصار. اتفق لي أن شاركت وإيّاه في أحد المهرجانات الشعريّة في لندن أواخر الثمانينات، وكان معنا أدونيس ومحمود درويش، فقلت له لما نزل عن المنبر: «إذا غضب الله على امرئ جعله يشارك في مهرجان أنتَ فيه!»، وهذا صحيح. فرغم تفوّق أدونيس في الإلقاء ورغم جماهيريّة محمود، كانت نجوميّة نزار تكاد تتقدّم على نجوميّة كبار المطربين. شعره يُسْكِر وقامته تُسْكِر وصوته يُسْكِر. كان المنبر كأنّه في انتظاره.
غمرني نزار قبّاني بمحبّة لم أعرف، لحسرتي، أن أبادله بمثلها تعبيراً، لا بالكتابة ولا بالكلام. ولا نفع اليوم من القول إنها كانت موجودة لديّ، فما لم يُقَل راح أدراج الرياح. وصحيح أني صرت، عهد إقامته في لندن، وزياراتي لها، أشعر كأنّي أحد أفراد أسرته، خاصةً بفضل دماثة كريمته هدباء وروعة ضيافتها، لكنّي مع هذا لم أتخلّص في علاقتي به من عقدة عدم الإفصاح، متّكلاً ضمناً على ثقتي بحدسه وبرهافة إحساسه وبأنه «يَعرف».
شخص كنزار قبّاني لا يقلّ ظرفه عن شاعريّته كيف لا يتحرّج المرء في حضرته؟ وعندما يمنحك شاعر كبير ونرجسي كبير صداقته بسخاء ليس مثله سخاء محبّة الشقيق، كيف تكون «طبيعيّاً» في حديثك معه؟ وإذ أعود بالذاكرة اليوم، عبر كتاب هنري زغيب، إلى أيّام نزار لا أرى إلّا الربيع. «نعترفُ أمام الله الواحد نعترفُ/ أَّنا كنّا منكِ نغارْ...»، قالها نزار لبيروت الجريحة نيابةً عن العالم قاطبة.
نقاء اعترافٍ كهذا ليس جوهر الشعر فحسب، بل هو قدس أقداس الإنسان.




لملمْ جراحك
بعث إليّ السيد عباس رياض طليس برسالة يتمنّى فيها نشر النص الأصلي الكامل لقصيدة عاصي الرحباني التي اقتطعنا منها أبياتاً السبت الماضي.
هذه القصيدة واحدة من سلسلة تبارى فيها الرحباني مع صديقه الشاعر جورج جرداق مدى عشرة أسابيع من العام 1971 على صفحات مجلّة «الشبكة»، في إطار هجائي ودي تناثرت في طيّاته أبيات من أجمل الشعر.
للراغب في المزيد مراجعة كتاب الأستاذ عبد الغني طليس «ما تيسّر من عبد» الصادر عام 2010 وقد اختار فيه قصيدة لجرداق وبضعاً للرحباني وأحال طلّاب المزيد على «الشبكة». ولعبد الغني ديوان جديد صدر بعنوان «فوق رؤوس العالمين» (دار بيسان) وفيه من خوالص الشعر ما ليس في معظم ما تقذف به المطابع.
نزولاً على طلب السيد عباس طليس ننشر هنا ما أرسله من قصيدة عاصي الرحباني، وهو أيضاً جزء من القصيدة يقتصر على الأبيات الخالية من الهجاء:










لَمْلِمْ جراحكَ فالجراحُ أغاني
كل الذين تباعدوا عنّا لهم
لوّح لهم آنَتْ أوَاناتُ الرضا
والأرض غنّت واليمامة بشّرتْ
يا قلب واسبقْني إلى وادي الهوى
يا قلبُ لُمَّ عن السطور كلامَنا
عشنْا على ورق المحابرِ ساعةً
يا قلبُ ولنرحلْ عن الورق الذي
أضناكَ أتْعَبَك المسيرُ ولمْ تَزَلْ
ما بالُنا صِرنا كليلٍ عابرٍ
فتعالَ نسكنُ في الكآبة كلّنا




يا قلبُ واسبقني إلى النسيانِ
في البال متّسعٌ ورحْبُ مكانِ
وشدا الربيع الطلقُ في الأغصانِ
بالصحو واشتقنا رفاقَ زمانِ
فأنا وأنت هناك منزرعانِ
واجمعْ بقايا العطرِ والألوانِ
مرّتْ مرور الطيرِ في الوديانِ
لم يبقَ للكلمات فيه معاني
سُكناكَ أشرعةً لغير مواني
كغمامةٍ مجهولةِ الأوطانِ
ونصيرُ زهرَ الشوكِ والأحزانِ