1

الجنازاتُ دائرة، والمفجوعون يُعَزّونَ المفجوعين،
والأمواتُ يوصِلون رسائل الناجين إلى أسلافهم الأموات.
الآن، ستغنّي وحدَكَ أيها الحسّون
: الناسُ ذاهلون عن نباهتكَ وحُسْنِ أغانيك،
والذين كانوا يقولون لك «آه، ما أبدعَ صوتكَ!» ماتوا.
الآن: وحدكَ... و وحدك.

2
أيتها الأمهات الثكالى!
أيها الآباءُ مكسورو العقول والأفئدة!
أيها الناسُ المفجوعون، يا أبناءَ جميع الأزمنةِ والأماكن،
وفِّروا دموعَكم وأحزانَكم ومناديلَكم!
: ستبكون حياةً كاملةْ.
3
حيثما توجهتَ
ستقودكُ الطريقُ إلى سرادقِ مأتم.
بين سرادقٍ وآخرَ... ضاعَ النهار.
بين مأتمٍ ومأتم... ستنتهي الحياة.
4
... وكانت الشمسُ تُمطرُ ظلاماً،
والهواءُ صار أثقلَ وأقسى.
حتى الكلابُ ما عادت تنبحُ، ولا الديكةُ تصيح،
ولا العصافيرُ ولا الجنادبُ ولا الربّ...
حتى الدجاجةُ، وهي تُبَشِّرُ ببيضَتِها،
صارت تقوقئُ همساً.
يا ويلاه! ما أوحشَ هذا المأتم!
5
....
... وازدهرت تجارةُ التوابيت
البيضاء خاصةً
للأولاد ما دونَ سنّ العشرين.
6
الوردةُ الصغيرة...
الوردةُ بِنْتُ السنواتِ السبع...
الوردةُ التي كانت تحلمُ نهاراتِ الغد... ذبحوها.
ذبحوها من أحلامِ غدِها
ذبحوها من عنقِ نهارِها
وبعثوا بها إلى الربّ
محمولةً في صندوقِ ظلامٍ أبيض.
7
يا مَن يُسَمّونكَ الله!
إن كنتَ اللهَ أو شبيهاً به،
أَنصِتْ إلى صلاتي:
لا تكسرْ أفئدةَ الخائفين
ولا تُدخِلِ الضعفاءَ في التجربة!
يا مَن يُسَمّونك ... ...
8
تُرى، لأجلِ مَنْ
تُطْلِق شجيراتُ الوردِ كلَّ هذا الوردْ؟!...
نعم! تَذَكّرتُ:
إنهُ ربيعُ المآتم.
9
ما أكرمَ جسمَ الإنسانِ بالدمع!
أبداً، لا تَقلقْ أيها النادِب!
: في لحمكَ من الماء والملح
ما يكفي لسبعين مأتمٍ إضافيّ.
10
مجرَّدُ سؤال:
أنتَ الذي تدّعي أنك لا تُبغِضُ إلا السفّاحين
هل لي أن أسألك:
كم عددُ الأبرياء الذين تختنقُ أرواحُهم في مخزنِ بندقيتِكْ؟!...
11
أيها الفتى الذي انتهى مذبوحاً:
ما عادَ ينفعني التفكيرُ فيك.
أفكّرُ أكثر في أمّكَ إذْ تتذكّرك.
أفكّرُ في ألمِكَ وخوفكَ اللذَين سبقا موتَكْ.
أُفكّر في الثواني الأبديّات...
وأفكّر في عجزِ الله عن أن يكون حاضراً.
: أفكّر في الخذلان.
12
الحزن العظيم يخيفني.
..
أيتها المرأةُ الفاقدة:
أرجوكِ لا تُشْعِريني بوجودِكْ!
أبْعِدي حزنَ عينيكِ عني!
أمامَهما أغدو ضعيفاً وعاجزاً، كمنْ دخلَ في حائطْ.
أمامَهما أشعرُ أنني أنا القاتل.
.. ..
أيتها المرأةُ الفاقدة:
أيةَ بطولةٍ تَدّخرين في عظامكِ ولحمك
بحيث تستطيعين أن تظلّي واقفةً على قَدَمَيْ نفسك
وتَبقي حيّةً طوال هذه الأيام؟
أيتها المرأةُ الأمّ:
أنا لا أغبطُكِ على شجاعةِ قلبِكْ
بل أُشفِقُ عليكِ منهاـ
نعم! أنا أرثي لكْ.
..
أيتها الأمّ..أيتها الأمّ:
أمامَ عينيكِ يستحي الله.
13
الذين هيَّؤوا الوليمةَ... ذُبحوا.
والضيوف تَفرّقوا:
بعضٌ ليحتمي...
بعضٌ ليُعَزّي...
وبعضٌ لترتيبِ تدابيرِ الجنازات.
..
يا اللّـه!
هذه المائدةُ التي ما عادت تَصلُحُ حتى لأن تكون مائدةَ عشاءٍ أخير...
هذه المائدة، ما أَشْبهها بتابوتْ
تابوتٍ على هيئةِ مائدةْ!
.. .. .. ..
.. وطبعاً، ليس بعد وقتٍ طويل،
الذين ذَبَحوا
تَسلَّحوا بما أمكنَ من الدموعِ والورد
وجاؤوا يُعَزّون.
.. ..
زَغرِدنَ يا أمهّاتِ الموتى.
آب/ 2013