كنا نلتقي سحابة ساعة كل صباح سبت في قرية الصوّانة. ولم يكن يمنع هذا اللقاء سوى المطر أو المرض. وكنا نشرب المتّة، شراب السيد المفضّل. وكان الحديث يدور في اللقاء حول الشعر والأدب والتاريخ، وقد نتطرّق الى الدين والفقه، أما السياسة فلم يكن لها موضع في حديثنا. وكان السيد قد امتنع عن قول الشعر، فلمته على ذلك، وارفقت لومي بهذه الأبيات:

أدعوكَ للشعر لا أدعوكَ للشربِ
والسابحات بنا نحو المدى الرحبِ
أحكمتَ نظم قوافيها موقعةً
زمان كنتَ فتىً والناس في الركبِ
واليوم تَحْسُنُ بالأشعار رحلتنا
إلى نهايتها في المركب الصعبِ
فضحك السيد، وقال لي بأنه ليس شاعراً، من باب كثرة من يدّعون أنهم شعراء في هذا الزمن. إلا أنه كان بصدد جمع ديوانه، وقد أطلعني على مسودّة أعدّها إبنه السيد مهدي لهذا الديوان. إلا أن قيام الثورة في لبنان، ثم انتشار الوباء، أخّرا إصداره. ثم كان ما كان، فبقيتُ ساهراً حتى خرجَت مني هذه الأبيات في رثائه:
علّليني بما يشوقُ فؤادي
مَيْعَةَ العيشِ واخضرارَ الوَدادِ
واهمُلي ما يسوءُ منهُ ويُبكي
من فراقٍ وحسرةٍ وافتقادِ
صَدِأَتْ بهجةُ الحياةِ وحالت
بعد إضرامِ نارها لرمادِ
■ ■ ■
طفح الكأس بالمآسي تباعاً
بين فقدٍ ومحنةٍ وحدادِ
والذي كنتَ ترتجيه ملاذاً
باتَ في التّرب مرقدِ الأجدادِ
مِهرجانُ الحياة أيّ غرورٍ
ترتقيه بسلّم الأمجادِ
كلُّ مجدٍ تنالُ جرعةَ بنجٍ
تُذهب الحسّ بالأذى المتمادي
ثم تطفو حقيقةُ العيش جهراً
زبداً زائلاً بيومٍ مُعادِ
قد رضينا بالموت دأباً ودرباً
لخطانا نسيرها للنفادِ
ذهب اليوم سيّدٌ فَفُجِعْنا
ومضى الأمسَ فِلذة الأكبادِ
علّليني لعلّني بعد هذا
أجدُ الوهمَ راحةً لفؤادي

هيثم الأمين
الصوّانة ١١ نيسان ٢٠٢١

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا