القاهرة | «نرى ما لا نريد، ونريد ما لا نرى. لا وقفنا أمام حقيقة ما نرى، ولا وصلنا إلى سراب ما لا نرى». هكذا يردّد الممثل الراحل عزت العلايلي (15 أيلول/ سبتمبر 1934- 5 شباط/ فبراير 2021) على لسان الكاتب «سيد»، إحدى الشخصيتين اللتين لعبهما في فيلم «الاختيار» (1971 ـــ مقتبس عن قصة لنجيب محفوظ) للسينمائي الراحل يوسف شاهين.

كان عزت العلايلي يقترب من الأربعين عندما أدّى أول بطولة سينمائية له في «الاختيار»، بعد أكثر من عشر سنوات من لعب الأدوار الثانوية والقصيرة، تكلّلت بمشاركته في فيلم «الأرض» (1970) ليوسف شاهين أيضاً، مع نخبة من كبار ممثلي العصر، ليصبح، بعد هذين الفيلمين، واحداً من نجوم سينما السبعينيات، ويظل منذ ذلك الحين محافظاً على مكانته وحب الناس له على مدار خمسة عقود تقريباً. وكان آخر مظاهر الاحتفاء به خلال الدورة الأخيرة من «مهرجان الاسكندرية السينمائي» التي حملت اسمه، حيث كان محطّ الأنظار وتجمّع الحشود كلما ظهر، بالرغم من ظروف «كوفيد 19» وشروط التباعد الاجتماعي!

كان من القلائل الذين حافظوا على ملامحهم وقدراتهم التمثيلية ومقاومة عوامل الشيخوخة والمرض (عمرو مراغي ــ أ ف ب)

على مدار مسيرته الطويلة التي تتجاوز مئة فيلم وعشرات المسلسلات التلفزيونية وعدد من المسلسلات الإذاعية وقليل من المسرحيات، لم يكن العلايلي ذلك النجم الذي يأتون به من أجل زيادة الإيرادات، ولا نستطيع أن نقول إنّه كان «نجم شباك التذاكر» في يوم من الأيام، ولكنه ذلك الممثل القدير، صاحب الحضور الهادئ والأداء الواثق، الذي يعهد إليه بأداء الشخصيات المكتوبة جيداً لرجال أقوياء، يتخللهم ضعف، أو عطف، خفي، يجعلهم دائماً في حالة صراع داخلي، وهو جوهر شخصيته السينمائية التي اكتشفها يوسف شاهين في «الاختيار»، حيث لعب دورَي التوأم الكاتب سيد الانتهازي، وأخيه الصعلوك العاشق للحياة محمود.
من أفضل الأدوار التي أجاد عزت العلايلي أداءها بشكل يحررها من النمط الجاف الذي لحق بها، شخصية المحقق في أفلام مثل «زائر الفجر»، و«على من نطلق الرصاص» و«أهل القمة».
وبفضل ملامحه المصرية الواضحة، لمع العلايلي بشكل خاص، وربما أكثر من أي ممثل آخر، في دور الفلاح الملتصق بأرضه، المغلوب على أمره، كما في دورَيه في «الأرض» و«المواطن مصري» أو «الطوق والأسورة»، أو دوره في «السقا مات»، حيث لعب شخصية «شوشة» السقا الذي ماتت زوجته، فكره الحياة وبات يخشى كل شيء، وفي الوقت نفسه لعب أدوار الضابط المصري في أعمال «وطنية» مثل «الطريق إلى إيلات» و«بئر الخيانة» و«الكافير».
لكن بالرغم من ملامحه المصرية، فإن لعزت العلايلي مقاييس وجه وجسد عالمية، مثل عمر الشريف، تجعله يصلح للعب شخصيات من جنسيات مختلفة، بالرغم من أن الفرصة لم تسنح له مثلما حدث مع عمر الشريف. ومن يتأمل ملامحه يمكن أن يدهش من قدر التشابه بينه وبين الممثل الأميركي الشهير تشارلز هوستون!
كان الراحل أيضاً من القلائل الذين حافظوا على ملامحهم وقدراتهم التمثيلية ومقاومة عوامل الشيخوخة والمرض، وحتى في أعماله الأخيرة مثل مسلسل «الجماعة» (2010) وفيلم «تراب الماس» (2017)، أو آخر أعماله «قيد عائلي» (2019)، إذ كان يتمتع بحضور وحيوية ملحوظين.
درس عزت العلايلي التمثيل في معهد الفنون المسرحية، حيث تخرج عام 1960، وبدأ حياته الفنية في المسرح، وقد تركت هذه الخلفية تأثيرها على وعيه وثقافته وأسلوب إعداده وأدائه للشخصيات التي يؤديها، أو في أسلوب حديثه عن أعماله والفن بشكل عام. وحتى في أكثر الأعمال تواضعاً و«تفاهة» التي شارك فيها، وهي كثيرة، كان يستطيع عادة أن يعطي للشخصية التي يؤديها كياناً وإيحاءً بوجود عمق خلفها!
وعلى المستوى الشخصي، احتفظ عزت العلايلي بحياة هادئة خالية من «الفضائح» الشخصية أو الفنية، باستثناء مشاركته خلال السبعينيات في الفيلم اللبناني «ذئاب لا تأكل اللحم» ( سمير خوري، 1973) الذي يحتوي على مشاهد عري وجنس لم يكن من الممكن عرضها في مصر، لكنه بشكل عام كان يحرص على اختيار الأعمال «الجادة»، حتى لو لم تكن جيدة فنياً في بعض الأحيان.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا