«خرج طائر من تحت الإبط ودخل الخاصرة/ أمس كنت تضحك/ أمس صوتك فتّته إرباً إرباً/ رميته جانباً كي تتجاذبه الخيل/ صعدت المئذنة وغنيت/ تاهت البنفسجة بين الكاهل والركبة/ أمس كنت تبكي/ أمسكتُ صوتكَ جمعته/ كما يُجمع فم طفل/ أرضعته شِعراً قبل أن يغفو». أطفأ الموت هذا الأسبوع صوت هدى النعماني (١٩٣٠ - ٢٠٢٠)، الشاعرة التي كانت أشبه بأميرة خارجة من حكايا «ألف ليلة وليلة»، تجمع الأرستقراطية إلى الروح الصوفية، وتمزج أحياناً الروح الصوفية بالعبث البريء بالكلمات... تلك الصوفية عرفتها عائلتها من مجالس الذكر لعلامة دمشق الشيخ عبد الغني النابلسي وصاغتها هي بقالب شعري ممزوج بروح أنثوية متعطشة للحب، ما حجز لها مكانة مرموقة على الخريطة الشعرية الحديثة اللبنانية والسورية منذ: «لك» (١٩٧٠) مروراً بـ «رؤية على العرش» (١٩٨٩) و«كتاب الوجد والتواجد» (١٩٩٨) وغيرها، دون إغفال كتابها الأبرز «هاء تتدحرج على الثلج» (١٩٨٢) الذي يلقي بالقارئ في عالم سحريّ تمتزج فيه رسوم هدى النعماني بالقصائد الخاطفة والتوق إلى لحظة الوجد والتماهي مع روح الكون الكبرى.

عاشت هدى النعماني اليتم مبكراً بعد وفاة أبيها عام ١٩٣٨، ليشتدّ عودها في بيت جدها لأمها من آل الغزي ذوي الأصول التركية من مريدي المتصوف النابلسي، وتنتقل في التعليم بين بيروت ودمشق التي حصلت من جامعتها على دبلوم في الحقوق مكّنها من العمل في المحاماة في مكتب خالها سعيد الغزي الذي تولّى رئاسة الحكومة في سورية مرتين. انتقلت هدى النعماني إلى القاهرة بعد زواجها لتتابع الماجستير في الدراسات الشرقية. بعد ترحال في المملكة العربية السعودية وباكستان والكويت، عادت صاحبة «هدى أنا الحق» في نهاية الستينات من القرن الماضي إلى بيروت، لتفتتح صالوناً أدبياً جمعت فيه كوكبة من شعراء التفعيلة وقصيدة النثر، ولا سيما المنضوين تحت مجلة «شعر»، بوئامهم وخصوماتهم التي كانت «الأميرة الأرستقراطية» تسعى إلى تدوير الزوايا فيها كتلك الخصومة التي وقعت بين أنسي الحاج وشوقي أبي شقرا. تُرجم العديد من أعمال هدى النعماني إلى الفرنسية والإنكليزية، لا سيما «هاء تتدحرج على الثلج» و«حافة القفل». كما أنها من الشاعرات العربيات القليلات ممن تحتفظ لهنّ مكتبة الكونغرس الأميركية بتسجيلات شعرية صوتية. برحيل هدى النعماني، فقدت بيروت صوتاً أنثوياً رقيقاً وروحاً شعرية في غاية الحساسية «يدي غيمة كبيرة/ عصافير معلقة وصلبان/ أصمد لأرى فمي يتلاشى».

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا