مات روبرت فيسك واهتزّ لموته عرش صحافة الغرب التي تُعنى بعالمنا العربي، حيث لم يكن له منافسون كثر في سعة اطلاعه وجرأته وتعاطفه مع قضايانا المحقّة وفي طليعتها فلسطين.

كان كتلة من الحيوية الفكرية والجسدية معاً، فكأنه لا يعرف للراحة معنى ولا للنوم طعماً. يتكلّم بسرعة «كهربائية» فيصعب على محادثيه أحياناً تتبّع سيل أفكاره وتسلسل منطقه. يهتم كثيراً بالمحافظة على صداقاته، فقد يغيب عنهم مدداً طويلة ثم يفاجئهم بحضوره ليستكمل ما كان يتحدث معهم عنه وكأنه لم يغِب سوى ساعات معدودة. كان فيه شيء من الطفولة في حماسه لسرد القصص وفي حسّ الدعابة لديه، وكان سريع الخاطر جداً إن في أسئلته أو في أجوبته، فكأنه طفل عبقريّ في بعض أطواره.
لكنه كان أيضاً مستمعاً مثالياً ينقل بأمانة تامّة ما يُقال له.
وكان رجلاً شجاعاً إلى أقصى الحدود، يذهب إلى خطوط الحروب الأمامية لينقل المشهد كما يراه. في أفغانستان ضُرب حتى حافة الموت وأصابه مرض جلدي بقيت آثاره على وجهه سنين طويلة. فهل يا تُرى تعرّض الكثيرون من زملائه الغربيين لما تعرّض له؟ نعم، كان فخوراً لكن بدون تبجّح بالسباقات الصحافية التي أحرزها، وما أكثرها، لكنّي لم أسمعه يوماً يفتخر بالجوائز الصحافية العديدة والمرموقة التي نالها في أوروبا.
أسلوبه الصحافي يرتكز في المكان الأوّل إلى حياة الناس العاديين وخصوصاً أيام الأزمات والحروب. هنا يبرز تعاطفه العميق مع «المعذبون في الأرض» الذي كان يصرّ على ذكر أسمائهم وهُوياتهم ليمنحهم ما يستحقّونه من وجود إنسانيّ، إذ كثيراً ما كانت صحافة الغرب اليمينية المتصهينة تشير إليهم على أنهم أرقام فحسب.
ويرتكز أسلوبه في المكان الثاني إلى اطّلاع واسع على تاريخ العرب الحديث. لكنه كان دوماً على استعداد لزيادة معرفته التاريخية إذ لم يكن يزعم أبداً أنّه «خبير» بهذا التاريخ، فكان تواضعه في هذا المضمار على تضادٍّ تام مع عنجهية غيره من الصحافيين الغربيين وخصوصاً الأميركيين منهم.
هالَهُ ما شاهده في فلسطين، فكتب عنها بجرأة وصدق لا مثيل لهما وجلب له ذلك عداوة إسرائيل والصهاينة في العالم بأسره لكنه لم يكترث ولم يلين. كان بإمكانه أن يفعل ما فعله العديد من زملائه، أي غضّ الطرف أو ترداد المقولات الصهيونية المعهودة رغم معرفتهم بالحقيقة، وذلك اجتناباً لنقمة الصهاينة التي تدمّر بلا هوادة مِهَن من لا يردّد دعاياتهم. كسر فيسك بشجاعته وتمسّكه بواجبه الصحافي حاجز الخوف ذاك ولم يأبه لمئات التهديدات التي وصلت إليه جراء تحقيقاته الصحافية في فلسطين.
لم يكن محبوباً عند العرب جميعاً، فقد كانت كتاباته في بعض الأحيان تثير حفيظة معارضي نظامٍ ما أو زعيمٍ ما، والذي كتب فيسك عنه ما كتب. ولربما لم يكن محظوظاً ببعض أصدقائه ولم يكن موفقاً في الإشادة ببعض من لا يستحقون الإشادة بهم. وهذا دليل على استقلاليته وعدم رضوخه للضغوط. مَن مِنّا بلا خطيئة فليرمِه بحجر، لكن ليرمِه أيضاً بباقة من شقائق النعمان من حقول فلسطين.

* أكاديمي فلسطيني

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا