لندن | «أمّتنا تنعى اليوم واحداً من أبنائها المحبوبين». هكذا غرّدت نيكولا ستورجين الوزيرة الأولى لإقليم اسكتلندا بعد تأكيد وفاة «السير» توماس شون كونري (1930 – 2020)، الحائز جوائز الأوسكار والبافتا والغولدن غلوب، كما مجد مسيرة مهنية دامت سبعة عقود في السينما والتلفزيون والمسرح. لكن هذا الاسكتلندي الفارع الطول الصاعد إلى النجوميّة العالميّة من قلب الطبقة الفقيرة العاملة في أدنبرة، مسقط رأسه... هذا الفتى الذي وشم ذراعه بـ «اسكتلندا إلى الأبد» وكان صوتاً عالياً من أجل استقلال بلاده عن هيمنة لندن المستمرّة منذ 300 عام، أصبح لسخريّة الأقدار أيقونةً للشاشات بعد عروضه الأسطورية في سلسلة أفلام جيمس بوند. شخصيّة الجاسوس السري البريطاني ذي الرقم 007، الرمز الأكثر عنجهيّة وصلَفاً للإمبراطوريّة البريطانيّة المتقاعدة ونظرتها الاستعلائيّة تجاه شعوب العالم المقهورة، بما فيها شعبه. نُصّبَ على مجمل أدواره فيها بلقب «سير» (تكريم يُمنح حصراً لكبار الشخصيات التي خدمت التاج البريطاني) من قِبل الملكة إليزابيث الثانية (2000) وفي قصرها في العاصمة الاسكتلنديّة، مثيراً وقتها حنق القوميّين عليه على جانبَي الحدود.

من جانبها، أكّدت أسرة كونري نبأ رحيل النجم المتقاعد إجباريّاً عن العمل (منذ 2006) في منزله في جزر الباهاماس، بدون أن تحدّد السّبب المباشر، فيما اكتفى ابنه جيمس بالقول إن والده «لم يكن على ما يرام منذ بعض الوقت».
ويُحسب دائماً لكونري أنّه بصرف النظر عن أن شهرته وثروته أتت من وراء سبعة أفلام قدّمها في دور جيمس بوند (بما فيها الخمسة الأولى)، فإنّه قاوم التنميط داخل قالب تلك الشخصية الشعبويّة المسطحة، وأصرّ دائماً على خوض تجارب دراميّة متنوعة أخذته للعمل مع أهم المخرجين بمن فيهم ألفريد هيتشكوك، وبريان دي بالما، وستيفن سبيلبرغ وغيرهم، وجلبت له العديد من الجوائز العالميّة، بما في ذلك «جائزة سيسي دي ميل» على مجمل أعماله في صناعة الترفيه. وللمفارقة، فإنّه اختير مغموراً للعب دور بوند في «دكتور نو» (1962) أول أفلام السلسلة رغم منافسة نجوم كبار وعدم اقتناع إيان فليمنغ مؤلف سلسلة روايات جيمس بوند الشعبيّة به، ولا ألبيرت بروكلي مخرج الأجزاء الأولى للسينما. لكن دانا زوجة بروكلي التقطت فيه تلك الكاريزما الخام والرجوليّة الجذابة وأصرّت على زوجها لمنحه الفرصة، وهكذا كان، ليصبح خلال أشهر قليلة نجم شباك التذاكر الأوّل في العالم الأنغلوفوني. ومن الواضح أنّ فليمنغ غيّر رأيه بعدما شاهد كونري على الشاشة بدليل أنّه ابتدع في أجزاء رواياته التالية أصولاً عرقيّة اسكتلنديّة بعيدة للعميل البريطاني، مُعيداً تشكيل نجم الرواية ليتطابق مع حضور كونري.
بعد «دكتور نو»، قدّم كونري بوند «من روسيا مع الحب» (1963)، و«غولدفينغر» (1964)، و«ثندربول» (1965)، و«أنت تعيش مرتين فقط» (1967)، قبل أن يشعر بالملل من الشخصيّة ويقرّر البحث عن أدوار خارج صندوق بوند. لكن جورج لازينبي الذي اختير بديلاً عنه لم يكن مقنعاً، فعاد كونري مجدّداً لتقديم «دايموندز فور إفر» (1971) مقابل عرض مالي ضخم، ثم مرّة استثنائيّة أخرى في «نيفر ساي نيفر أغين» (1983) بإلحاح من زوجته الثانية بعدما خسر جزءاً مهمّاً من ثروته بسبب إهمال وكيله المالي (فيما قدّم روجر مور شخصية بوند لـ 12 عاماً، قبل أن تنتقل لاحقاً لدانيال كريغ منذ 2006).
في السبعينيات والثمانينيات، وبعدما حرّر كونري نفسه من بوند، انطلق يقدّم الفيلم الناجح تجارياً تلو الفيلم، مثل «الرجل الذي سيكون ملكاً» (1975)، و«اسم الوردة» (1986) عن رواية الإيطالي أومبرتو إيكو الشهيرة وحاز عنه جائزة أفضل ممثل من الأكاديمية البريطانية للفنون السينمائية والتلفزيونية عن دور راهب مثقّف قروسطيّ يحاول الكشف عن سرّ سلسلة جرائم غامضة في أحد الأديرة. كما حصل في 1987 على أوسكار أفضل ممثل مساعد عن أدائه في «المنبوذون» دور شرطي متقاعد شريف ضمن أجواء قوّة شرطة شيكاغو الفاسدة.
وبينما كان كونري يستمتع بأداء أدوار الشخصيات الشعبوية المسطحة على الشاشة (بوند بالذات مزيج من العنف والمبالغات التقنيّة والجنس المجانيّ والفكاهة عدّه النقّاد «بداية عصر انحطاط السينما»)، فإنّه كان بحق شخصيّة أكثر تعقيداً وقتامة بما لا يُقاس في حياته اليوميّة. فهو وكما يليق باسكتلنديّ تقليديّ بخيل وفق السخرية الشعبيّة الإنكليزيّة، لم يكن ليسامح بفلس واحد من حقوقه، ورفع دعاوى لا حصر لها ضدّ المنتجين والمخرجين كما وكيل أعماله ووكيله المالي، سُوّيَ معظمها خارج المحاكم مقابل تعويضات كبيرة. عاش حياته بعيداً عن اسكتلندا وبريطانيا ليتجنّب دفع الضرائب، واتّهمته زوجته الأولى (والدة بِكره جيمس) بأنّه كان يضربها ولم يكلّف نفسه عناء نفي ذلك، بل تبجّح في مقابلة تلفزيونيّة بأنّه لا يرى مانعاً من «توجيه صفعة بقوّة معتدلة للمرأة لتهدئتها أو لإرجاعها إلى جادة الصّواب». استمر يتنقل بين النساء الجميلات بمن فيهن شريكات في أفلامه، وكان لا يزال متزوجاً عندما التقى ممثلة فرنسيّة متزوجة في دورة للغولف في المغرب عام 1970، ولم يلبثا أن حصلا على الطلاق ليتزوجا في 1975.
في المقابل، لم يسمح لجذوره المتواضعة وتعليمه المحدود بأن يمنعاه من القراءة المتواصلة لتطوير نفسه، وقد وجد في صديقه الممثل الأميركي روبرت هندرسون مرشداً تولّى توجيهه إلى قراءة أعمال المسرحيين الكبار كافة كجورج برنارد شو، وأوسكار وايلد وهنريك إبسن، كما روايات توماس وولف وجيمس جويس وبروست، وكان يقول: «إذا كان ثمّة دليل على أن الكتب تغيّر الناس إلى الأفضل، فلن يكون سواي».
في السياسة كان مؤيّداً متحمّساً للقومية الاسكتلندية، يحوّل شهرياً إلى صندوق الحزب القومي السكتلندي – ذي التوجهات الجمهوريّة - خمسة آلاف جنيه استرليني كاشتراك تطوعيّ، وأسس جمعية خيرية لمساعدة الطلبة الاسكتلنديين الفقراء على استكمال تعليمهم، تبرّع لها بمليون دولار حصل عليها كمقدّم لدوره في «دايموندز فور إفر»، وقد كتب مقالة في 2014 مؤيّداً بحزم انفصال بلاده عن المملكة المتحدة في الاستفتاء الشعبي الذي جرى وقتها.
وعد كونري مواطنيه بالعودة إلى أدنبرة للمشاركة في احتفال استقلال بلاده. لكنّه رحل قبل ذلك بقليل في ما يبدو. كم كان جميلاً - من الناحية الرمزيّة على الأقل - لو أن «جيمس بوند» الأوّل تقدّم صفوف المبتهجين بانقشاع الغيمة الإنكليزيّة عن ذرى اسكتلندا الشاهقة، لكن للأقدار دائماً رأيٌ آخر.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا