فُجِعَ الوسط الفني المغربي والعربي برحيل الفنان التشكيلي محمد المليحي، قبل أيام في أحد مستشفيات باريس، جراء أزمة تنفسّية حادة ناتجة عن إصابته بوباء كوفيد ـ 19. المليحي (1936 ــ 2020) ابن مدينة أصيلة، ذات التقاليد المعمارية والفنية الشعبية العريقة. التحق بمدرسة الفنون الجميلة في تطوان، ثم بالمعهد الفني في إشبيلية، فَمعهد مدريد في 1955، ليواصل بعدها مساره الدراسي التكويني بين إيطاليا وفرنسا، ويستقرّ بعدها في نيويورك بدءاً من عام 1962.

بعودته إلى المغرب عام 1964، سيقوم بتدريس التشكيل والنحت والتصوير الفوتوغرافي في مدرسة الفنون الجميلة في الدار البيضاء. لكن التحوّل الأهم في مسار المليحي الإبداعي سيحدث في 1965، مع فوران المدّ الثوري لحركات التحرّر الوطني في مواجهة الاستعمار ومساءلة الثقافة الكولونيالية بلهجة نقدية. هنا، انتسب إلى جماعة مجلة «أنفاس»، التي كان يديرها الشاعران عبد اللطيف اللعبي ومصطفى النيسابوري، حيث تبلورت طروحات ثقافة وطنية تقطع مع الإرث الاستعماري الفرنسي. وقد تُرْجِمَتْ هذه الطروحات والسجالات لدى المليحي في شكل بحث مُضنٍ عن تأصيل وتأسيس فنٍّ تشكيلي مغربي، يقطع مع ذاكرة الفولكلور الشعبوي ومع رثاثة الفن «الفطري»، اللذَيْن شجعهما أنصار التغريب والبقاء على صلة تبعية مع المتروبول الفرنسي.
وبذلك، صاغ المليحي حصة مغربية أصيلة في المشهد البصري الوطني، مستلهماً فن الزليج (الأرابيسك) المغربي وجداريات الشوارع والفُسْقِيَّات الموريسكية الواردة من الأندلس الإسلامية.
بعد إجهاض تجربة مجلة «أنفاس» ومنعها، واعتقال كامل طاقمها تقريباً، والمنتمي لمنظمة «إلى الأمام» الماركسية-اللينينية السرية، أسّس المليحي، في 1971، مجلة Intégral (كامِل)، ليعقبها بتأسيس دار «شُوفْ»، كمؤسسة متخصصة في التعريف بالفنون البصرية المغربية، تشكيلية كانت أم سينمائية. ومن بين إصداراتها المميزة التي شكلت، وما زالت، علامة بارزة في تاريخ الفن المغربي المعاصر: كاتالوغ الفنان المغربي أحمد الشرقاوي، كتجميع لأهم إنتاجه التشكيلي المعروف ساعَتَئِذٍ، مع نصوص تحليلية ذات قيمة نقدية جمالية عالية، كتبها كلّ من عبد الكبير الخطيبي، طوني مارَيْنِي وإدمون عمران المالح.
لم يتوقّف إشعاع المليحي الثقافي في المغرب عند هذا الحد، بل زادَه إشعاعاً عربياً ودولياً، حين أطلق مع محمد بنعيسى، جمعية «المحيط»، التي كانت تشرف على «موسم أصيلة الثقافي الدولي»، في دورات صيفية، منذ 1978 لغاية اليوم. بين 1984 و1992، شغَل المليحي منصب رئيس مديرية الفنون في وزارة الثقافة المغربية. وعاش، حتى وفاته، متنقلاً بين مراكش وأصيلة، منظّماً معارض وندوات وورشات، ومساهماً في وضع البنية التحتية الحديثة لشبكة متاحف المغرب.
بصمة المليحي الشخصية واضحة، بإصراره دوماً على الاشتغال باللوح الخشبي، بدل القماش، وبخامة ألوان وأشكال هندسية متموجة تكاد تخصّه دون غيره من الفنانين التشكيليين المغاربة، رغم أنها مستوحاة من إرث مغربي أفريقي مشترك يستند إلى زَرْكَشَاتِ الزرابي (الأبسطة) وموتيفات نقوش الحِلِيِّ الفضية وتربيعات ومعينات الزليج وتموجات البحر المتوسط. كما له جداريات وتجهيزات معمارية، أنجزها مع المِعماريَيْن عبد السلام فَرَاوِي وباتريس دو مازيير Patrice de Mazières، ما سمح له برفد المعمار المغربي بتنظيم ديناميكي لفضاءات وأشكال مميزة نقلت الأمكنة والجدران والفُسْقِيَّات، بل وحتى ملتقيات الطرقات، من دورها الوظيفي إلى دورها الجمالي الذي سمح للساكنة، والأطفال المتمدرسين خصوصاً، بتنمية تربية بصرية لديهم، أسهمت في انتعاش البيئة وقيم المواطَنة.
في 1995، احتفى «معهد العالم العربي» في باريس بتجربة المليحي من خلال معرض شمل كل أعماله، في موازاة ندوة نقدية وحلقة نقاشية تناولت فَنَّه.
يُجْمِلُ المليحي تجربتَه قائلاً: «تأثَّرَت تجربتي بموضوعات تعكس، بطريقة رمزية، مختلف الأوضاع السوسيوثقافية لحقبة الستينيات. لكنني أَخْلُصُ اليوم إلى أن مشاغلي التي تعود لاثنتين وثلاثين سنة مضت، هي نفسها اليومَ. وها أنا أعرض من جديد في قاعة «باب الرواح» (التابعة لوزارة الثقافة ــ الرباط)، أعمالاً أنجزتُها بين 1983 و1997، وهي تُعَبِّرُ عن نفس الهواجس الفكرية، نفس الأفكار الشكلانية التي لا تفارقني، وتسكنني على مدار ثلاثة عقود، لكنها تتجدد، كلَّ مرة، في أشكال بصرية جديدة» (من كاتالوغ معرض «باب الرواح»، 1997).
مات محمد المليحي، سيد الألوان الأفريقية الحارة، المقيمة بين التراث والحداثة؛ ولكن ستبقى جدران المدن المغربية وساحاتها العامة ومتاحفها تصدحُ ببهاء ألوانه وأشكاله، على لحن الفنان المغربي الراحل الحسين السلاوي: «يَا مُوجَةْ غَنِّي/ يا بحر غني/ يا موجة غني/ على البحر نْغَنِّي..»، موجة بكامل ألوان الطيف المتوسطي، بحرارة الصحراء الأفريقية المديدة.

اشترك في «الأخبار» على يوتيوب هنا